منذ انطلاق مشروع الرئيس الأميركي جورج بوش للديمقراطية والتغيير في منطقة الشرق الأوسط صدرت انتقادات حادة وشديدة من قبل دوائر سياسية وأحياناً شعبية لهذا المشروع. وكانت معظم الاعتراضات وأشكال التمنع بحجة أن التغيير أو الإصلاح ينبع من الداخل، وليس سلعة تصدَّر من الخارج، أو يمليها طوعاً أو كرهاً كائناً من كان دون مراعاة لخصوصية الداخل العربي الإسلامي السياسية والثقافية التي تجعل أهل المنطقة هم وحدهم من يستطيع فهم مصلحتها وتحديد أنسب الطرق لإصلاح الأوضاع فيها. وعلى رغم التعبئة الشديدة ضد هذا التدخل الخارجي الأميركي "المفروض" أو الذي يراد فرضه، يبدو أن القافلة الديمقراطية بدأت مسيرتها، في المنطقة، حتى لو كان ذلك تحت أسماء ووسائل مختلفة في الدرجة وفي النوع. ففي مصر، لم يتوقف الأمر على مظاهرات حركة "كفاية" وجماعة "الإخوان"، بل جاءت المبادرة من الرئيس مبارك شخصياً حيث ضغط باتجاه تمرير تعديل دستوري لشروط الترشح لرئاسة الجمهورية. إلا أن سقف مطالب دعاة التغيير ما زال عالياً، ومطالبهم ما زالت تتوالى، وآخر ما سجل في هذا السياق، البيان الصادر عن قضاة مصر الذي أكدوا فيه رفضهم القاطع الإشراف على الانتخابات، ما لم تتم إعادة ترتيب العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، تاركين بكلامهم هذا المجال مفتوحاً أمام مطالبات بدعوة مراقبين أجانب للإشراف على نزاهة العملية الانتخابية.
وفي المملكة العربية السعودية رأينا جموع المواطنين تتجه للمرة الأولى إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجالس بلدية، في معظم مناطق المملكة. وما يصدر عن المسؤولين السعوديين، في هذا السياق، مشجع ويبدو أنه واعد على طريق الديمقراطية. وجاءت آخر الأخبار من سوريا، حيث طارت الأنباء مؤخراً بأن قراراً سياسياً رسمياً اتخذ لتنظيم انتخابات بلدية يتم فيها الاقتراع الحر على مرشحي المجالس البلدية، على أن يكون الترشيح حراً ومفتوحاً وليس وفق آلية التعيين أو التزكية من الحزب الحاكم، أو من الجبهة الوطنية التقدمية المتحالفة معه. بل إن مسؤولاً سورياً كبيراً اعتبر أن هذه الانتخابات البلدية الحرة المقرر تنظيمها سنة 2007 ستكون بمثابة "تمرين للانتخابات البرلمانية". ولا يقتصر الأمر على مصر والسعودية وسوريا، فثمة استحقاقات انتخابية وشيكة في لبنان وفلسطين، وفي بلدان عديدة أخرى في هذا الجزء من العالم.
وحدها الديمقراطية الإيرانية ما زالت عصيَّة على الفهم. فثمة استحقاق انتخابي رئاسي وشيك ستشهده طهران، ولكن شيئاً من مُسلَّمات هذه التجربة السياسية الخاصة جداً لم يتحرك حتى الآن من مكانه، على رغم امتداد هذه التجربة على مدى ثلاثة عقود. فالديمقراطية والتعددية والمشاركة الشعبية إلى آخر هذه المفردات في إيران لا تخرج إلا من جيب أو لنقل عباءة الولي الفقيه القابض على كل الأمور ومانح البركة والتزكية وأخيراً القبول لكل من له حق الترشح والترشيح.. ووجه الخصوصية هنا واضح، وهو أن الحرية التي هي شرط النظام الديمقراطي ذات مذاق خاص جداً في إيران، وذات طبيعة استثنائية بشكل ملفت. فالإيراني حرٌّ في الترشح، وفي الفوز، وفي الخسارة، وفي كل شيء، ولكن... بشرط واحد فقط، وهو أن يرضى عنه ويوافق على ترشيحه السيد الولي الفقيه المستبد بكل السلطات. وذلك لأن الولاية العظمى بيده، وعلى كل مسؤول إيراني منتخب أو غير منتخب أن يجد الوسيلة التي تساعده للتلاؤم مع ما يمليه هو عليه، وأن يكون مستعداً للامتثال لكل ما يصدر عنه، وإذا خرج عن النص: فلا يلومنَّ إلا نفسه.