ما هو المهدد الأمني الأكثر خطورة في عالمنا اليوم؟ قطعاً ليس الحرب في العراق, ولا تأجج نار النزاع الإسرائيلي الفلسطيني, ولا وباء الإيدز المستشري في إفريقيا, كما ليس هو احتمال اندلاع حرب بين الصين وتايوان. إنما يكمن هذا التهديد في اتساع رقعة انتشار الأسلحة النووية, على النطاق العالمي. وكان الدكتور محمد البرادعي, رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية, قد دق ناقوس الخطر الأسبوع الماضي, أثناء حديث له في مدينة نيويورك, خاطب به مؤتمر مراجعة الأداء, فيما يتصل بسير تطبيق نصوص معاهدة حظر نشر الأسلحة النووية, التي وقعت عليها 188 دولة من مختلف أنحاء العالم. وفي كلمته تلك قال البرادعي، إنه وما لم يتم تقييد حصول الدول على تكنولوجيا الأسلحة النووية, فإن العالم ماض نحو كارثة ماحقة دون شك. فخلال العقد المقبل, يرجح أن تتحول الكثير من الدول إلى قوى نووية افتراضاً, مما يعني أن ذلك هو الطريق الأمثل الذي تستطيع به البشرية تدمير نفسها ذاتياً. ثم مضى البرادعي قائلاً: بيد أن ما نتحدث عنه هو كيف لنا أن نحافظ على حياة البشرية؟
وفي الواقع فقد جاء هذا الحديث على خلفية اللغط الدائر الآن حول البرامج النووية الإيرانية. وعلى امتداد الأشهر القليلة الماضية, كانت طهران قد انخرطت في محادثات مطولة ومستمرة, مع كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا, أو مع ما يسمى اختصاراً بـ "الأوروبيات الثلاث" أو في مقابلها الإنجليزي E3 حول أنشطتها النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم. ولا تزال طهران تتمسك بموقفها القائل إن أهدافها وراء تطوير هذه التقنية, لا تتجاوز حدود الأغراض والاستخدامات السلمية. وتتمثل هذه الأهداف في تمكنها من توليد الطاقة الكهربائية نووياً. غير أن الأوروبيات الثلاث, تشكك في أن تكون لطهران, أهداف أبعد من تلك الاستخدامات السلمية المعلنة, وأن تكون تلك البرامج السلمية, غطاءً تمضي من تحته طهران في تطوير أسلحتها النووية. وبالنسبة للأوروبيات الثلاث, فإن الهدف من وراء المفاوضات مع الجانب الإيراني, يتلخص في توفير ما تسميه هذه الدول بـ"الضمانات الموضوعية" للطابع السلمي المدني لتلك البرامج النووية. ومن وجهة نظر الأوروبيات الثلاث, فإن ذلك يعني ضرورة تخلي إيران التام عن أية أنشطة أو برامج ذات صلة بتخصيب اليورانيوم. وبدلاً من تخصيب اليورانيوم محلياً, تقترح الأوروبيات الثلاث على طهران, الحصول على ما تحتاجه من وقود الطاقة النووية، من السوق العالمي, على نحو ما تفعل العديد من الدول الآن. بيد أن إيران رفضت هذا الحل, تمسكاً منها بحقها كدولة، في إنتاج وقودها النووي الخاص –علماً بأنه الحق الذي تؤمنه لها نصوص معاهدة حظر نشر الأسلحة النووية, التي انضمت إليها إيران-. بل ذهبت طهران أبعد من ذلك, سعياً منها وراء إقناع منتقديها ودحض حججهم. ففي ديسمبر من عام 2003, كانت إيران قد وقعت على البروتوكولات الإضافية للمعاهدة المذكورة. وبموجب ذلك التوقيع, أعطيت للوكالة الدولية للطاقة الذرية, صلاحيات أوسع للرقابة على الأنشطة النووية الإيرانية, بما في ذلك صلاحية القيام بعمليات تفتيش مفاجئة لمرافقها ومنشآتها النووية.
وفي شهر نوفمبر المنصرم, كانت إيران قد أعلنت موافقتها المؤقتة على تعليق أنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم, وذلك خلال المفاوضات الجارية بينها وبين الأوروبيات الثلاث. وكانت إيران ترمي بتلك الموافقة, إلى قراءة ردة فعل الدول الأوروبية –وعن طريق مباشر أيضاً, ردة الفعل الأميركية- وما سيقدمه هذان الطرفان لإيران, لقاء موافقتها المؤقتة تلك. وغني عن القول إن إيران, إنما كانت تطمح في الحصول على حزمة ثمينة من الفوائد التجارية والمالية والتكنولوجية, وصولاً إلى احتمال الحصول على تأكيدات رسمية من قبل الدول الغربية, واعترافات منها بالهواجس الأمنية الإيرانية, وتوفير ضمانات دولية كافية لعدم تعرضها لأي هجوم عدواني عليها. ولكنها تطلعت وتطلعت... فلم يبد لها في الأفق, ما يشير إلى تحقق أي من هذه الطموحات والأماني. ومما غاظ طهران, أن الغرب لم يفعل إزاءها إلا رميها بالفتات, وما يشبه ذر الرماد في العيون. ذلك أن أقصى ما قدمته لها الولايات المتحدة, إمكانية بيعها قطع غيار لصيانة طائراتها المدنية المتهالكة, إلى جانب ممارسة حقها في السعي للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
مقابل ذلك, يذكر أنه لم يحدث لإيران مطلقاً أن وافقت على وقف دائم لأنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم. ولما بدا لطهران أن المفاوضات مع الأوروبيات الثلاث, لا تقود إلى أي هدف محدد, فقد أعلنت الأسبوع الماضي عزمها على استئناف بعض عملياتها ذات الصلة بتحويل اليورانيوم, في منشأة مخصصة لمثل هذه العمليات في أصفهان. وما أن أعلنت إيران هذا النبأ, حتى وقف العالم الغربي على قدم واحدة, وحلت الكارثة. فمن بريطانيا, علا تحذير رئيس وزرائها توني بلير لطهران بعدم خرقها لما أسماه بـ"التزاماتها" بعدم تخصيب اليورانيوم, وإلا فسوف تساند بلاده، التحركات الجارية, التي تستهدف إحالة