نشرت إحدى الصحف أمس تقريرا حول الضرر الذي أصاب بعض موظفي وزارة العمل جراء الإجراءات الجديدة للوزارة بشأن إلزام موظفيها بعدد معين من الرخص، وأن هذه السياسة ستؤدي إلى استقالة عدد كبير من الموظفين بهدف الاحتفاظ بمنشآتهم الخاصة والحيلولة دون فقدانها. ورغم أن التقرير يوحي للوهلة الأولى بسلبيات الإجراءات الجديدة، فإنه يسلط الضوء أيضا بشكل غير مقصود على نفوذ المستثمرين الأجانب في سوق العمل المحلية، وهذا النفوذ يتضح في محاولة ترسيم علاقات سوق العمل بما يتوافق مع مصالحهم، كما يسلط التحقيق الضوء أيضا على أن العلاقة بين كثير من المستثمرين وكفلائهم تتجاوز المصالح التجارية، وتدخل في دائرة استغلال الطرف الأول للطرف الثاني الذي يتمتع بنفوذ إداري في دائرة حكومية، على أساس أن وجوده في وزارة العمل أو وزارات أخرى له علاقة بمصالح هؤلاء المستثمرين تعزز قدرته وجاذبيته لدى هؤلاء المستثمرين الذين يصنفون الكفلاء تصنيفات مصلحية بحتة، فهناك كفيل ذو نفوذ إداري وهي ميزة لا ينغصها سوى "الفهم" الذي يمكن أن يضر بالمستثمر الأجنبي في حال التهم أي من حقوق الكفيل المواطن، وهناك "كفيل عادي" لا يتمتع بنفوذ حكومي ولكنه بالمقابل يبدو محدود الحركة داخل الدوائر والوزارات مايجعله "مأمون الجانب" في نظر المستثمر الأجنبي!.
ربما تكون وزارة العمل مخطئة حين أجلت البت في مسألة رخص الموظفين وتركتها معلقة أو مجمدة لا هي حسمتها ولا هي أغلقت الملف تحت أي عنوان، ولكن الخطأ الأهم والأخطر هو استمرار هذه العلاقة الغريبة التي تجعل الكفيل المواطن طرفا ضعيفا في علاقة شكلية ظاهرها الشراكة التجارية وباطنها خاو من المضمون والهدف، الذي يقتصر على نصيب أو مبلغ مالي يتم الاتفاق عليه بين الطرفين!
والمؤكد أن هذه الصيغة أو العلاقة الغريبة القائمة ظاهريا على الشراكة التجارية والمصالح المتبادلة، تلعب دورا محوريا في غياب المواطنين عن سوق العمل، وهي أيضا لعبت الدور ذاته في إفراز ظاهرة التكتلات التجارية الاحتكارية في كثير من القطاعات الاقتصادية، فالمواطن في جميع الأحوال هو شريك على الورق، وتحول بمرور الوقت إلى الطرف الأضعف في هذه العلاقة، بحيث يمكن للمستثمر الاستمرار في الشراكة فقط في حال وجود كفيله في موقع إداري أو حكومي يمكن الاستفادة منه في "تمرير" الأوراق والمصالح، أو في تسهيل المعاملات، أو إذا كان الكفيل راضيا قانعا بما يدفع له شهريا أو سنويا! وتحول القرار تدريجيا في هذه المؤسسات التجارية إلى المستثمر الوافد الذي أصبح يختار كفيله في سوق تزخر بالإعلانات عن كفلاء "تيك أواي" يعرضون خدماتهم على من يريد افتتاح منشأة تجارية جديدة مقابل مبلغ مالي محدد في ظل غياب تام لأي سياسات للتراخيص أو تأطير للسوق المفتوحة!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية