يوم الخميس الماضي, احتفلت إسرائيل بالذكرى السابعة والخمسين لعيدها الوطني. لكن وبعد خمس حروب خاضتها, وانتفاضتين شهدتهما, وعلى رغم اغتيال أحد رؤساء مجلس وزرائها خلال السنوات المذكورة, فإن مواطنيها لم يتفقوا جميعهم بعد, لا على هويتها ولا على حدودها كدولة, ناهيك عن اتفاق العالم الخارجي على هاتين القضيتين. وتبقى المشكلة الرئيسية هناك كما هي, مستمرة وممتدة عبر الأزمان. أعني بهذه, مشكلة النزاع التاريخي بين الصهيونية السياسية من ناحية, والقومية الفلسطينية من ناحية أخرى. وكما نعلم فهو نزاع ظل محتدماً ومستعصياً على الحل, منذ بدايات القرن العشرين.
وفي جوهرها تبدو هذه المشكلة بسيطة, لكونها ناشئة عن علاقة الجوار الذي حددته الجغرافيا والتكوينات الديموغرافية, ثم جاءت السياسة لتضفي عليه قدراً من الشرعية. لكن ومنذ أن تكرر "الوعد" البريطاني لهذه الأرض مرتين, إحداهما لليهود والأخرى لفلسطينيين, فقد ظل هذان الطرفان يعيشان علاقات توتر وتشاحن فيما بينهما, ولم تخل من أحداث العنف في الكثير من الأحيان. وفي خلال السنوات الأخيرة, التي شهدت احتلال إسرائيل لأراضي كل من قطاع غزة والضفة الغربية, ثم عودة قيادات حركة التحرير الفلسطينية من المنفى, إلى جانب اتفاقيات أوسلو وغيرها, فلم يحدث ثمة جديد سوى تكريس الواقع نفسه, والعلاقات ذاتها, بما فيها من معاني التجاور والسكن المشترك في الأرض الواحدة بين الطرفين. وتظل هذه هي الحقيقة, على رغم الجهود التي تبذلها الإدارة الإسرائيلية الحالية, وعلى الرغم جدار العزل الذي تمضي في تشييده, بل وعلى رغم أحداث العنف والتطرف...الذي يبقى راسخاً, هو ألا شيء سيخلص إسرائيل من وجود الفلسطينيين وعلاقات الجوار معهم.
ومهما فعل شارون وبذل من جهود من أجل التخلص أحادياً من الفلسطينيين, فليعلم أن ما من شيء سيزيل هذه الحقيقة أو يمحوها من على الأرض. والشاهد أن الاحتلال لا يؤثر على الطرف المحتل فحسب, بل وعلى من قام بهذا الاحتلال أيضاً. ومما لا شك فيه أنه واقع يطال جهاز الدولة وأدوات الحكم, ويقسم الرأي العام الإسرائيلي, إلى درجة أودت سلفاً بحياة أحد رؤساء الوزراء الإسرائيليين, على يد متطرف يهودي. أكثر من ذلك, يؤثر واقع الاحتلال واستمراره, سلباً على الروح المعنوية القتالية للجنود الإسرائيليين, كما يرسم صورة الدولة الإسرائيلية في مرآة العالم, ويشوه مصداقية هذه الدولة اليهودية الديمقراطية.
وحتى دون أن نضع اعتباراً كبيراً للعامل الديموغرافي, وحقيقة الإحصاءات السكانية القائلة إن اليهود سوف يصبحون أقلية عرقية في منطقة ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط خلال عقد أو نحوه من الآن, تظل المشكلة كبيرة ومستعصية كما هي. وليس أدل على ذلك من رفض ثلث سكان مدينة القدس –التي تطمح إسرائيل إلى إعلانها عاصمة رسمية لها- ترديد النشيد الوطني الإسرائيلي!
أما في الضفة الغربية وقطاع غزة, فإن المشكلة الفلسطينية القائمة هناك سلفاً, ترادفها وتعززها مشكلة أخرى, تتمثل في المأزق الإسرائيلي مع المواطنين الإسرائيليين العرب, الذين يقدر عددهم بنحو 1.2 مليون نسمة. وعلى رغم انتشار روح التحيز والتشدد الراديكالي, إلا أن غالبية هؤلاء العرب, تتمسك برغبتها في الحفاظ على جنسيتها الإسرائيلية. ولكن لا تنفي هذه الرغبة, الحقيقة التي توصلت إليها "لجنة التحقيقات الحكومية الإسرائيلية" من أن هذه الجالية العربية تتعرض لممارسات التمييز المنظم ضدها، في مجالات التوظيف والتعليم, إلى جانب افتقارها للحصول على الموارد الحكومية مثلما هو متاح لبقية المواطنين الإسرائيليين. وطالما ظلت هذه الجالية محرومة من الالتحاق بالخدمة الوطنية العسكرية, وطالما استمرت منظوراً إليها دائماً من قبل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية, على أنها طابور خامس للفلسطينيين, فسوف يستمر الرأي العام الإسرائيلي منقسماً على نفسه. والذي يهدد إسرائيل اليوم, أن تكون "دولة تفضيلية" أو "ديمقراطية إثنية" مثلما كان عليه حال الولايات المتحدة الأميركية، خلال الجزء الغالب من خمسينيات القرن الماضي. والمعلوم أن ملايين المواطنين الأفارقة الأميركيين, عانوا ويلات التمييز المطبق بحكم الواقع والقوانين السارية آنذاك.
وفي مواجهة هذين التحديين الفلسطينيين: أحدهما في الأراضي الفلسطينية, والآخر داخل إسرائيل نفسها, يظل السؤال مفتوحاً وملحاً, حول ما إذا كانت إسرائيل, دولة يهودية مفتوحة للآخرين, وفيها متسع لكافة مواطنيها, أم أنها خلاف ذلك؟. الذي أعلمه, هو أن ما من طريق مباشر ومستقيم للتغلب على هذين التحديين, سوى بلورة استراتيجية ترمي مباشرة إلى وضع حد للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ولهذا السبب, فإن الانسحاب الإسرائيلي المقرر تنفيذه هذا الصيف من أراضي قطاع غزة, يمثل لحظة تاريخية مهمة جداً على طريق تحديد هوية الدولة الإسرائيلية, فضلاً عن ترسيم حدودها ورقعتها السياسية والجغرافية. ومهما تكن نوايا شارون من وراء خطة الانسحاب هذه –