لم يكد يجف حبر مقالنا السابق حول "مخابرات من نوع جديد"، إلا وأسرع أحد مراكز البحوث التي أشرنا إليها في مقالنا، والذي يتخذ من دولة خليجية غير دولته الأصلية مقراً له، بالدفاع عن موقفه في صفحة كاملة بإحدى الصحف الخليجية التي تصدر في دولة المقر، ليصدق عليه المثل المصري القائل "من على رأسه بطحة يشعر بها"، أو المثل العربي الشهير "يكاد المريب يقول خذوني". ولم تمر سوى أيام وحدث ما كنا نتوقعه، والتقى القائمون على هذا المركز ببعض اليهود، إسرائيليين وأميركيين، على أرض الدولة التي تستضيفه حتى لا يسبب حرجاً لدولته الأصلية من جانب، ويكون حراً في مناقشة كل "الموضوعات المشتركة" من جانب آخر.
والسؤال الذي يطرح نفسه بكل شفافية وصدق وأمانة: ما هو الدور الحقيقي الذي تقوم به مثل هذه المراكز تحت ستار البحث والدراسات العلمية لصالح العمل الاستخباراتي؟ والإجابة نحاول طرحها في هذا المقال، إذ شعرت أن المقال الأول قد حرك المياه الراكدة. وبعد أن كانت هذه المراكز تعمل في الخفاء وتحاول ستر عملها الاستخباراتي، ظهر جزء من جبل الجليد وانكشف المستور.
كنا نعتقد أن دور هذه المراكز ينحصر في العمل المخابراتي السلبي فقط؛ مثل جمع معلومات أو تأكيدها أو تسريب معلومات زائفة لوسائل الإعلام أو التشكيك في بيانات، وسرقة وثائق، وتصوير منشآت استراتيجية، ومتابعة ما يكتب في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية حول الدولة التابع لها المركز، والتعرف على مواقف القوى الأخرى، وفتح قنوات مع المعارضة، ولا يتعداه للعب دور مخابراتي إيجابي، أي القيام بممارسة أنشطة استخباراتية على أرض الواقع، ولكن هذا ما حدث.
تبدأ القصة عادة باتصالات ولقاءات ومشاركات ونقاشات مع خبراء ومسؤولين سابقين أو حاليين من دول مستهدفة، تحت ستار إجراء بحوث وإعداد دراسات وحلقات نقاش، لصالح أمن واستقرار منطقة معينة أو مجموعة دول، قد لا يتم تسميتها، ثم يتم من خلال هذه الأنشطة البحثية تحقيق أهداف مخابراتية سلبية. وبمجرد أن تشعر مثل هذه المراكز بالأمان وأنها في منأى عن المراقبة، وأن خطط السرية والخداع التي تبنتها آتت ثمارها، سرعان ما ينقلب الحال وتستغل ضيافة وكرم الدولة المقيمة فيها، وتتحول إلى العمليات المخابراتية الإيجابية ومن أهمها:
- استباحة أرض الدولة المضيفة في دعوة ولقاء ممثلين ينتمون لدول معادية أو دول تهدد أمن واستقرار المنطقة، ضاربين عرض الحائط بالقيود المفروضة على التعامل معهم من جانب، ومعرضين سمعة الدولة المضيفة للضرر من جانب آخر.
- لعب دور عملي خفي لتنسيق المواقف والجهود السرية بين توجهات الدولة التابع لها أصحاب المركز مع سلوك دولة أخرى يصعب فيها -بل يستحيل- أن يتم ذلك في العلن، وإذا انكشف المستور فإن الدولة الأصلية لا يعنيها الأمر لأنه يتم على أرض دولة أخرى، وفي الوقت نفسه يجري تحت عباءة العمل البحثي.
- القيام بأنشطة من شأنها توريط الدولة المضيفة وإبراز الازدواج في سياستها الخارجية، وتناقض مواقفها تجاه قضايا مصيرية، وربما يقود ذلك إلى أن تصبح الدولة المضيفة عرضة لحملات إعلامية معادية تجعلها في وضع الدفاع وتشغلها عن قضاياها وتحرج مسؤوليها.
- العبث بقضايا الأمن والاستقرار الإقليمي، والتركيز فقط على المصالح الذاتية للدولة الأصلية التابع لها أصحاب المركز، وهي مصالح قد تتضارب مع مصالح الدولة المضيفة. ولكن هذا الأمر مقدور عليه لأن الدولة المضيفة تتسم بقدر كبير من التسامح، وفي أسوأ الظروف ستقبل الاعتذار وكفى.
- إحداث تغييرات جذرية في السياسة الخارجية لدولتها الأصلية، من خلال تقريب وجهات النظر في الخفاء مع الأعداء، أو علاج المشكلات القائمة وحسمها بعيداً عن عدسات وسائل الإعلام وتنقيب الصحفيين.
- التنسيق مع أجهزة المخابرات للدول الأخرى، وهو ما يصعب إجراؤه في الدولة الأصلية، وهنا لا يقتصر الأمر على تبادل المعلومات وتقييم الموقف الاستراتيجي، بل يتخطاه إلى مدى أبعد، وهو تنسيق الجهود للقيام بأنشطة أخرى أخطر وأكثر تأثيراً بغض النظر عن عواقبها على الدولة المضيفة.
- تجنيد عملاء من ضعاف النفوس للحصول على معلومات سرية أو وثائق، أو التأثير على مواقف الدولة المقام فيها المركز مما يضر بأمنها القومي.
- ممارسة دور في إدارة حرب نفسية ضد جهات معادية للدولة الأصلية، من دون إثارة شبهات حول مصدرها، ولكنها قد تضر بمصالح الدولة المضيفة.
- التلاعب بوسائل الإعلام من خلال بث معلومات زائفة أو تسريب وثائق أو توجيه رسائل لجهات محددة.
إنها قضية شائكة وتحتاج منا إلى دراسة عميقة وإلمام بكل جوانبها الخفية قبل المعلنة لفهم هذا النوع الجديد من المخابرات الذي بدأ ينتشر في دولنا العربية تحت ستار من العفة العلمية والنزاهة البحثية وشفافية عرض الميزانيات رغم عدم ذكر مصادرها الحقيقية.
أعتقد أن "آلان دالاس" أشهر مدير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بل و"كيرميت روفلت" أشهر مسؤول مخابرات أميركي عرفته منطقة الش