تشهد مصر هذه الأيام سلسلة من المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات السلمية، التي صاحبتها اعتقالات جماعية طالت بعض أقطاب المعارضة. وتأتي هذه الاحتجاجات بعد أن صعدت المعارضة المصرية ضغوطها على الحكومة، معتبرة الشروط التي وضعت للترشيح تعجيزية. وكان مجلسا النواب والشورى المصريان قد وافقا على نص التعديل, وبموجب التعديل يشترط حصول المرشح على تزكية 300 عضو منتخب من أعضاء المجالس النيابية والمحلية، على ان يكون للأحزاب السياسية القائمة فقط حق ترشيح أعضاء هيئاتها العليا دون شروط تزكية 300 عضو منتخب.
أقطاب المعارضة يرون أن التعديل يفرغ اقتراح التعديل الدستوري من مضمونه، ويغلق الباب تماماً أمام أي مستقل يريد الترشيح. ويتساءل المعارضون كيف يمكن الحصول على ترشيح 300 عضو منتخب من 454 إذا كان الحزب الوطني الحاكم يشكل ثلثي مقاعد المجلس؟ وما هي الخيارات المطروحة أمام المعارضة، إذا كان التعديل ليس منصفاً ويتسم بالتعسف ولا يخدم المنافسة الديمقراطية في الانتخابات؟
الخيار الأول, هو قبول هذه التغييرات والتعامل معها برغم محاذيرها ومحاولة الاستفادة منها قدر المستطاع. في هذه الحالة على المعارضة الاتفاق على صيغة وبرنامج موحد لخوض هذه الانتخابات، مدعمة ببرنامج واضح حول قضايا التغيير والإصلاح في كل المجالات المزمع تطبيقها في حالة فوز ائتلاف المعارضة بالانتخابات.
الخيار الثاني, هو عدم المشاركة في الانتخابات وانسحاب كل المرشحين، ويرافق هذا الموقف تكثيف الحملات الإعلامية والشعبية داخلياً وخارجياً لإرغام النظام على قبول التعديلات الديمقراطية المطلوبة.
هنالك إشكالية تواجه النظام في مصر, تتلخص في إصراره على احتكار الحياة السياسية دون مشاركة فعلية من الجماهير المصرية الواسعة، ممثلة في مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب. هذا الاحتكار المطلق للسلطة أدى إلى ضعف وجمود الحياة السياسية مما سمح للفساد والمحسوبية والشللية وعدم احترام القوانين بالتفشي والانتشار. أضف الى ذلك عدم السماح للأحزاب المعارضة بممارسة نشاطها المشروع في الدعاية والإعلان عن نفسها واستخدام وسائل الإعلام وعقد المؤتمرات الجماهيرية لشرح برامجها والحيلولة دون تنظيم التظاهرات السياسية السلمية ومنعها من التواصل مع الجماهير، رغم حقيقة وجود نظام للتعدد الحزبي منذ عام 1976. انها تعددية مقيدة ذات طابع شكلي, يختصر الحياة السياسية فيها الحزب الوطني الحاكم الذي يرأسه الرئيس حسني مبارك، مما يجعل الدولة أداة للحزب وأعضائه رغم أنها دولة للجميع.
المتابع للأحداث المصرية في الأشهر الأخيرة يرصد تحولاً متسارعاً نحو التأزيم، والأمثلة كثيرة، منها تحدي قوانين النظام بمنع التظاهر ومشاركة بعض طلبة الجامعة في التظاهرات التي تمت بدون تصريح وقيام البعض بإنكار شرعية النظام القائم. هنالك أسباب كثيرة ومتعددة خلقت الأزمة في مصر، منها التدهور الاقتصادي والبطالة والأزمات الاجتماعية وقانون الطوارئ الذي يتيح للسلطات المصرية احتجاز المعتقلين دون توجيه اتهامات لفترة طويلة، ومحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية حيث يكون للمتهمين حقوق أقل. هذه القوانين مسلطة على رقاب المصريين منذ ما يقارب الـ30 عاماً وقد قررت الحكومة المصرية تمديد العمل بهذا القانون حتى عام 2006. كذلك يطالب المعارضون بحرية تأسيس الأحزاب وحرية إصدار الصحف وتعديل الدستور على النحو الذي يكفل حق المصريين في اختيار رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر من بين عدة مرشحين.
كيف يمكن الخروج من الأزمة الحالية؟ نرى أنه ليس من مصلحة النظام اللجوء إلى العنف والمطاردة واعتقال المتظاهرين والمعارضين، فهذا الأسلوب القمعي ضد المعارضة لم ينفع في الثمانينيات ولن ينفع اليوم، حيث إن هنالك توجه عالمي تقوده الولايات المتحدة نحو تعزيز الديمقراطية في منطقتنا. يمكن احتواء الأزمة وحماية النظام إذا كان جاداً فعلاً في إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة. فالرئيس حسني مبارك قادر على الفوز في الانتخابات القادمة إذا كانت مفتوحة للجميع بدون شروط وقيود مسبقة، ربما نسبة الفوز ستقل حتماً، لكن الزعامة في مصر تعي تماماً بأن الإصلاح والتغيير أمر حتمي لضمان استقرار مصر.