تمتعت الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها العقيد قرنق بترحيب غير مسبوق في الشمال وصحب فتحها لمقار خاصة بها في عدد من مدن السودان إقبال واضح من مواطنين شماليين طالبين الانضمام لعضوية الحركة، كان ذلك هو الوضع السائد حتى أيام قليلة، ولكن يبدو الآن أن تلك الحماسة قد تراجعت وأن إعادة النظر تتم من أولئك الذين كانوا يتطلعون لعضوية الحركة من أبناء الشمال. وكذلك يعاد النظر في جدية كل ما تطرحه الحركة من سياسات حول التحول الجاد للديمقراطية وإطلاق الحريات وحماية حقوق الإنسان. وأهم أسباب هذا التحول, أن ممثلي الحركة في اللجنة التي يراد لها وضع الدستور المؤقت كانوا مؤيدين لموقف الحكومة تماماً من حيث التمسك الحرفي بما جاء في الاتفاقية حول اقتسام السلطة بنسبة 52% للحكومة و28% للحركة والباقي لكل فصائل المعارضة. بل يلاحظ في الاجتماعات الداخلية حول هذه المشكلة أن مندوبي الحركة هم المبادرون بطرح الموقف قبل أن تطرحه الحكومة.
وجاءت بعض تصريحات قادة وفد الحركة للخرطوم متفردة بل ومسيئة لقادة المعارضة. فقد قال أحدهم وهو رئيس الوفد ساخراً عما يطرحه المعارضون من تعديل للنسب التي تحدد المشاركة في لجنة إعداد الدستور, إذ قال بسخرية واستخفاف: هل زعماء المعارضة هؤلاء يظنون أن المسألة صحن فول ليشاركوا فيه؟
وأزمة الخلاف مستمرة بين المعارضة بكل فصائلها من جهة والحركة الشعبية والحكومة من الجهة الأخرى. وفي اليومين الماضيين بدأ ممثلو الحركة اتصالات ومناقشات مع قادة المعارضة (التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الأمة) على أمل إصلاح الخطأ والتراجع بصورة ما عن الموقف الذي سبب الأزمة، ولكنهم لم يعلنوا للرأي العام ماذا سيقدمون من تنازل, في حين أن قيادات المعارضة أعلنت رفضها لأي طرح يستند على تلك النسب. فهم لا
يطلبون أن تكون لهم الأغلبية, ولكنهم يطالبون بمشاركة فاعلة تعتمد على تمرير القرارات المهمة بالتراضي العام Consensus وليس بالأغلبية مهما كان قدرها.
عالم السياسة في الخرطوم لا حديث له غير الدستور المؤقت الذي انفرد الطرفان بوضعه. ولكن كاتباً صحفياً كبيراً اقترح مؤخراً أن يمضي العمل بهذا الدستور المؤقت لحين موعد الدستور الذي سيكون أكثر بقاءً وأهمية وهو الدستور الذي سيغطي كل سنوات المرحلة الانتقالية الست. وقد أورد الكاتب في مقاله نصوصاً من الاتفاقية تبرر اقتراحه، بل إنه يقول: ذلك هو الأساس الذي هدفت له الاتفاقية, وسيتواصل الجدل والنقاش حول موضوع الدستور إلى أن يبدو ما هو جديد من جانب الحركة الشعبية التي ترى أحزاب المعارضة أنها ما زالت على ارتباط بها رغم شراكتها مع الحكومة ورغم أن ما حدث في أمر الدستور أوضح إلى أي الارتباطين تميل الحركة.
وبهذا الوضع ونحن ما زلنا في بداية المشوار يظهر أن الدكتور قرنق يواجه موقفاً لا يحسد عليه, لا سيما وقد اتضح أن تكتلات سياسية وأخرى ذات طبيعة شبه عسكرية (ميليشيات) في الجنوب لا ترضى به زعيماً مطلقاً لكل الجنوب وبعض هؤلاء تؤيدهم الحكومة سرا للاستعانة بهم مستقبلا. إن كل هذا يمكن أن يضع اتفاقيات السلام وملحقاتها وتنفيذها في مهب الريح, ولا مخرج من كل هذا إلا بمؤتمر قومي للشماليين والجنوبيين كافة, لوضع ميثاق يرضي كل الأطراف ولا يفرض وصاية من قوم على آخرين.