دار حوار قبل شهرين في عاصمة خليجية بين عراقيين أحدهما مسؤول سابق في المخابرات العراقية لنظام صدام المخلوع، والآخر عراقي عانى في السجون والتعذيب سنين طويلة، فقال المخابراتي السابق بفخر وتباهٍ:"فخخنا سبعين سيارة جاهزة للتفجير في العراق الآن، ونرمي إلى أن يصل العدد إلى مئة سيارة خلال أسبوع". لما سمع العراقي ذلك التباهي الدموي قام وبصق في وجهه بصاقاً مصحوباً بشتائم مستغرباً البرود الدامي الذي عبر عنه المخابراتي السابق تجاه موت المئات من الأبرياء من العراقيين الذين يتساقطون هذه الأيام كالفراشات أمام النار, نتيجة موجة مرعبة من السيارات المفخخة.
عدت إلى أصل كلمة فخ، فوجدتها مصدرا لكلمة "الفخفخة"، والتي تعني التباهي والتفاخر، وحاولت الربط بين المعنيين، وكيف يمكن أن يكون تفخيخ السيارات التي تقتل أبرياء لا ذنب لهم بالمرة مدعاة للتفاخر والتباهي.
والفخ مصيدة يستعملها الإنسان منذ الأزل، وقبل اختراع الأسلحة النارية كان وسيلة من وسائل الصيد للعيش والبقاء، وأخذ أشكالا عديدة، أشهرها الحفر التي تموه بالأعشاب والأغصان لتخدع الفريسة التي تسير نحوها ثم تسقط بها، ثم تنهال على الفريسة رماح الصيادين وهي جاثمة في الحفرة لا تقدر على النجاة والفرار، ومن هذه الوسيلة للصيد، جاء المثل العامي: "من حفر حفرة لأخيه، وقع فيها".
وكان الفخ أسلوبا لصيد القوارض والفئران المؤذية، التي تتجه صوب الطعم في فخ ينزلق مطبقا بسرعة على الفريسة، وكذا الفخ الذي يسمى في لهجة أهل الخليج "الحَبال"، وهو ما يستخدم عادة لصيد الطيور.
وكان البدو يستخدمون حبلا يربط بشكل دائري على فتحة جحر الضب الذي ما أن يخرج من جحره ليرعى العشب حتى يطبق الحبل الفخ على رقبته فلا يستطيع الفكاك حتى يأتي الصياد فيخلصه و"يخلص" عليه.
بالطبع تطور صيد الضبان - وهي جمع ضب في لهجة أهل الخليج والجزيرة- مع تطور الحياة والتكنولوجيا، فصيد الضب يتم اليوم بإدخال "هوز" أو "خرطوش" يوصل من عادم السيارة إلى داخل جحر الضب المسكين الذي يدفعه غاز أول أكسيد الكربون إلى الخروج مكرها من جحره، فيقوم صاحب السيارة بقتله. والفرق بين الصيد بالفخ التقليدي للضب وبين صيده بعادم السيارة، أن الصياد الأول يصطاد الضب لأكله، للشح وندرة اللحم، بينما يقتل صيادو العادم الضبان اليوم إعداما لها ودون حاجة إلى أكلها، فهي ترمى بعد صيدها وقتلها.
وجاءت أمثال عديدة مرتبطة بالفخ والتفخيخ، فقيل "في الفخ، أكبر من العصفور"، كناية عن أن الأمر أكبر مما تصورناه. ولعل هذا المثل ينطبق على وصف ظاهرة التفخيخ الدامية التي تجتاح العراق. فقد كنت ممن يظنون بأن التفخيخ والسيارات الانتحارية من عمل العراقيين العرب, استنباطا من الأفغان العرب، ولكن يبدو أنني من الواهمين. فلقد تحولت مناطق اللطيفية واليوسفية في بغداد إلى مرتع للتطرف الإرهابي الذي يدعي السنية والإسلام، ويستهدف القتل العشوائي وإثارة النعرات الطائفية بتعمد استهداف تجمعات الشيعة.
ما نشرته صحيفة "الهيرالد تريبيون" العالمية الاثنين الماضي عن ظاهرة التفخيخ وتزايدها، يؤكد مخاوف تجنيد عراقيين بدأوا بالفعل بالقيام بالعمليات الانتحارية التي كان الظن أن القيام بها محصور في العراقيين العرب، الأمر الذي يتطلب ارتفاع أصوات القوى الدينية المعتدلة بين الطائفتين، وصراخ القوى المدنية العراقية والعربية جميعا للتصدي لظاهرة التفخيخ والفخفخة.
التفخيخ للصيد ظاهرة معروفة منذ الأزل، وكانت تستهدف حيوانات الصيد من أجل البقاء. ولكن ظاهرة تفخيخ البشر، والفخفخة في تفخيخهم، هي إضافة دموية جديدة للتجربة الإنسانية... فلنتباهَ ولنفتخر ونفاخر، فنحن نفخخ البشر.