هل مازالت الأسلحة النووية خيارا واقعيا في عصر الإرهاب وحرب العصابات؟ هل تجعلنا تلك الأسلحة نشعر أننا أكثر أمنا؟ إن الأسلحة النووية لا تردع الانتحاريين أو محاربي العصابات، ولا يمكن استعمالها في الحروب دون التسبب في السقط الإشعاعي (الغبار الذري المتساقط) الذي يجوب العالم ويهدد صحة الأبرياء. وإذا كانت هذه الأسلحة تقوم، ربما، بردع بعض الحكومات المعادية ومنعها من تبني أفكار عدوانية من قبيل الهجوم على الولايات المتحدة، فإن ذلك يمكن أن يحدث، ولكن بمستويات أقل بكثير في القوة التدميرية.
ولازال قطبا الحرب الباردة يمتلكان مستودعات ضخمة من الأسلحة النووية تشكل أكثر من 90% من الأسلحة النووية الموجودة في العالم. وتمتلك الولايات المتحدة 10 آلاف قنبلة ورأس حربي نووي نصفها منتشر داخل غواصات وصواريخ بالستية عابرة للقارات، بالإضافة إلى القنابل وصواريخ كروز، والنصف الآخر موضوع في المخازن لاحتمال استعمالها في المستقبل. أما روسيا فلديها 7800 سلاح تم نشره ابتداء من سنة 2004، و 9200 سلاح آخر سحب من الخدمة ووضع في المخازن دون تأمين. وللعلم فقط، فإن أياً من تلك الأسلحة قادر على تدمير مدينة بأسرها.
ويضم النادي النووي ثمانية أعضاء، علما بأن كوريا الشمالية وإيران تطرقان بابه طلبا للانضمام إليه. وفي الوقت الذي يصر فيه الرئيس بوش على باقي الدول بضرورة أن تمتنع عن حيازة تلك الأسلحة، نرى إدارته تضغط على الكونغرس لتمويل القنابل النووية المدمرة للمخابئ الأرضية، ورؤوس حربية نووية جديدة، علما بأن هذه القنابل تستطيع أن تقتل إلى حدود المليون شخص من سكان المدن.
وإذا كانت أغلبية الكونغرس تغض الطرف عن مستودعاتنا النووية وكأن فوقها طاقية إخفاء، فإن النائب الجمهوري المحافظ من أوهايو ديف هوبسن يشكل استثناء فارقا وغير مألوف. فهو كرئيس لإحدى اللجان الفرعية حول الطاقة والمياه بالكونغرس، قام بعرقلة محاولات إدارة بوش تصميم سلاح نووي ينفذ إلى المخابئ العميقة تحت الأرض. ورغم أنه، وبإلحاح من وزارة الدفاع، قضى يوما بأكمله في قاعدة "أوفت" الجوية في ولاية نبراسكا استمع فيه لتوضيحات حول الموضوع من قبل القيادة الاستراتيجية الجوية، إلا أنه في خطاب له في فبراير أمام جمعية مراقبة الأسلحة قال "لم أُخبر قط عن مهمة خاصة تتطلب قنابل نووية لتدمير المخابئ". ورغم كل ذلك مازال هناك من يفكر في كيفية استعمال الأسلحة النووية لشن الحروب، وليس فقط لردع مهاجمين محتملين. ومن جانبها، تعمل وزارة الدفاع الأميركية حاليا، حتى لا تضع كل رهانها على الأسلحة النووية، على تطوير قنبلة تقليدية يصل وزنها إلى 30 ألف رطل موجهة لتدمير "البنايات متعددة الطوابق والمخابئ الصلبة، بالإضافة إلى الأنفاق والمرافق المتعلقة بها".
وأكد النائب هوبسن في خطابه ذاك "أن الأمة لا تحتاج في هذا الوقت إلى تطوير أسلحة جديدة من أجل متطلبات غير واضحة للمستقبل، ما تحتاجه الأمة، بالمقابل وما زال غائبا إلى حد الآن، هو القيادة، وتفكير جديد للقرن الحادي والعشرين بشأن الأمن النووي ومستقبل أسلحة الولايات المتحدة النووية". إن ما قاله هوبسن هو فعلا ما ينقصنا. وعندما تسعى إدارة بوش وراء أسلحة نووية جديدة، فهي تكون بذلك تعرب عن عدم احترامها لروح معاهدة عدم نشر الأسلحة النووية والتي تُلزم الموقعين عليها بتبني سياسات نزع أسلحتهم النووية. كما أن هذا السعي الحثيث لإدارة بوش لتطوير أسلحة جديدة يضعف مصداقيتها عندما تلح على الدول الأخرى بالتخلي عن تلك الأسلحة. وقد سبق للرئيس بوش أن صرح بأن الخطر الأساسي يتمثل في وقوع الأسلحة النووية في أيدي الإرهابيين، لذا أطلق دوريات بحرية لاعتراض التكنولوجيا النووية المهربة.
غير أنه، حسب هوبسن، تنفق أميركا على تقنيات الأسلحة النووية الحديثة أكثر مما تنفقه على تأمين الأسلحة النووية المنفلتة للاتحاد السوفيتي السابق. هذا ويرفض بوش، كذلك، المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية التي تحرم إجراء التجارب النووية تحت الأرض والمسهلة لعملية تطوير الأسلحة. وقد فشلت إدارة بوش المنقسمة على نفسها في الدخول في مفاوضات مثمرة مع كوريا الشمالية قبل إعلان هذه الأخيرة امتلاكها فعلا للأسلحة النووية، كما تترك لحلفائها الأوروبيين المهمة الصعبة في التفاوض مع إيران. أما حديث الولايات المتحدة عن سياسة تغيير الأنظمة، فقد أضر بمساعيها في طمأنة الدول التي تطمح إلى حيازة الأسلحة النووية وإقناعها بأن أميركا تريد الحلول السلمية.
ولعل الشيء الوحيد الذي يحسب لإدارة بوش هو معاهدة موسكو، حيث قبل الرئيسان بوش وبوتين، بموجب هذه المعاهدة، تقليص مستوى أسلحة البلدين إلى 2200 قطعة عند كلا الجانبين، وذلك حسب اتفاق مسبق بين الرئيسين بيل كلينتون وبوريس يلتسين. لكن المعاهدة لا تقيد احتياطي الدولتين من الأسلحة، مما يجردها من صفة معاهدة لنزع السلاح.
ويشكك الجمهور الأميركي في قيمة الحفاظ على الأسلحة النووية، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة متخص