يستقصي هذا الكتاب التدخل العسكري الأميركي في شؤون الدول الأخرى منذ الحرب الأميركية-الإسبانية, وصولاً إلى الحرب الأخيرة على العراق. ويرى مؤلف الكتاب الدكتور إيفان إيلاند, خبير السياسات الدفاعية والأمنية الأميركية, أن مفهوم الإمبراطورية الذي تستند عليه هذه التدخلات, يتناقض تناقضاً حاداً وصارخاً مع المبادئ التي يؤمن بها الجمهوريون والليبراليون على حد سواء. بل الأهم من ذلك, أنه يسخر من رؤية الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية نفسها, باعتبارها جمهورية ديمقراطية حرة!
ومن رأي إيلاند أن أميركا قد سعت سعياً وراء تطوير هذا الشكل الإمبراطوري, خلال ما يزيد على القرن ونصف القرن, على الرغم مما يدعيه الليبراليون والمحافظون فيها على حد سواء. ومن رأيه أن هذا التطور الإمبراطوري وما يترتب عنه من سلوك وممارسات عدوانية ضد الدول الأخرى, قد أضر كثيراً بسمعة الولايات المتحدة خارجياً, إلى جانب أنه أصبح الآن يهدد الأمن والحريات التي يتمتع بها الأميركيون أنفسهم على المستوى الداخلي. ومن حيث المبدأ فإن هذا التحول في مسار التاريخ الأميركي, ينحو منحى مغايراً للنوايا والأهداف التي أنشئت من أجلها أميركا أصلاً, وهي الأهداف المعبرة عن إنشاء دولة مقيدة ومتزنة في سياساتها الدفاعية العسكرية, على أن تقوم علاقاتها وسياساتها الخارجية على مبدأ التبادل الثقافي التجاري الحر, مع بقية دول العالم الأخرى.
وبهذا الفهم, فإن الكتاب بمثابة استقصاء تاريخي للظاهرة الإمبريالية الأميركية, بما في ذلك التاريخ, الدراسة المقارنة المتأنية لآراء مختلف المدارس والتيارات الفكرية, والتعريفات المختلفة المقدمة لمفهوم الإمبريالية, حسبما هو مستخدم من قبل كل من الأكاديميين والساسة والخبراء العاملين في المجال. ويقيم المؤلف دراسته هذه, على خلفية الفهم والاعتقاد بأن من المفترض أن إسدال الستار مرة واحدة وإلى الأبد، على فترة الحرب الباردة, سيؤدي إلى إزالة مخاطر هيمنة قوة عظمى أو آيديولوجية معينة, على العالم مرة أخرى, على نحو ما حدث قبيل وإبان الحرب الباردة. لكن وعلى حد قول الكاتب, فقد فاجأت الولايات المتحدة العالم كله, بإصرارها على الاستمرار في تصريف شؤون العالم والتحكم فيه, بذات النهج الذي كان يسير عليه, خلال الحرب الباردة, مع وجود فارق أساسي ووحيد, هو أن العالم الجديد, باتت تتحكم فيه أميركا وحدها, إثر انهيار القطب الثاني الذي كانت تمثله دول المعسكر السوفيتي. ولهذا السبب فإن الكتاب يتعدى حدود كونه نقداً لهذا التحول الغريب في منحى التطور الديمقراطي على النهج الجمهوري, إلى دعوة كل من الديمقراطيين والجمهوريين الأميركيين للعمل معاً من أجل مقاومة أي انحراف إمبريالي للدولة الديمقراطية التي ارتآها الآباء المؤسسون. فالأصل أن تقدم أميركا القدوة والمثال لشعوب دول العالم الأخرى، وتفتح أمامها مسار التحول الديمقراطي, بدلاً من أن تتخذ من الديمقراطية نفسها, ذريعة للتدخل والهيمنة على مصائر ومستقبل تلك الشعوب والدول.
ضمن ذلك يحذر المؤلف من مغبة وخطر السياسات الخارجية والأمنية التي تتبناها الولايات المتحدة اليوم, بحسبان أن هذه السياسات تخدم تماماً عكس ما تبتغيه الديمقراطية الأميركية في الأساس, وتعرض الأمن القومي لمخاطر لم يكن ليواجهها, فيما لو التزمت أميركا بالنهج الديمقراطي، وليس الإمبريالي. بل إن في هذه السياسات ما يقوض حريات المجتمع الأميركي نفسه. وبدلاً من التساؤل على طريقة إلقاء اللوم على الآخرين والعالم الخارجي, من شاكلة "لماذا هم يكرهوننا إلى هذا الحد؟" وغيره من أسئلة شبيهة, يعكس هذا الكتاب وضع المرآة, ويجعلها مقابلة لوجه أميركا نفسها, كي يعينها على رؤية نفسها في تلك المرآة, ومعرفة أين تقف, وكيف تنظر إلى تاريخها ومستقبلها, وما هي الأسباب التي دفعت بها في هذا الاتجاه الخطير؟ ذلك أن الأصل فيما كسبته أميركا مؤخراً من عداء وكراهية من قبل قطاع واسع من العالم الخارجي, إنما يعود إلى السياسات العدوانية المتسلطة التي تتبعها هي إزاء الدول الأخرى.
ولعل هذا هو السبب الذي دفع المؤلف لإطلاق تسمية "الإمبراطورية العارية" على كتابه, بعد أن تعرت هي من ثيابها الديمقراطية, فانكشفت كما هي في نظر العالم كله. ومن مزايا هذا الكتاب أنه جاء امتداداً لدراسات المؤلف وتكهناته السابقة للغزو الأميركي الأخير للعراق. وقبل شن هذه الحرب كان إيلاند يحذر من عواقب التدخل العسكري, ويرى في هذا التدخل مأزقاً سياسياً وأمنياً أكثر منه مفتاحاً للتحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط. كما كان من رأيه أيضاً أن غزو العراق سيجعل أميركا والعالم كله, أقل أمناً وسلامة, على نقيض ما زعم صقور واشنطن ودعاة الحرب. واليوم وبصدور هذا الكتاب الجديد, فإننا نقرأ المزيد من التحليلات والبراهين على خطر النهج الإمبريالي, سواء على صعيد النظر إلى الأمن الداخلي الأميركي, أم على الصعيد الخارجي.
وإذا كان الكتاب قد قصد منه في الأساس أن يصبح جزءاً من