اهتم عدد من الباحثين السودانيين والأجانب بحياة الإمام عبد الرحمن المهدي ودوره السياسي في تاريخ السودان الحديث، واعتنوا بالأحداث السياسية في عصره بينما أهملوا التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للرجل. إلا أن الدكتور الطيب محمد آدم الزاكي يتوقف في كتابه "العرش والمحراب" عند جوانب كثيرة في "الدور الاجتماعي والاقتصادي للإمام عبد الرحمن المهدي في تاريخ السودان الحديث"، وإن لم يكن همه الأساسي تقديم السيرة الذاتية للرجل أو التأريخ لوقائع حياته، فإنه يطرق أبواب شخصيته محاولا النفاذ منها إلى حياة المجتمع السوداني وأنشطته الاقتصادية والاجتماعية في ذلك العهد؛ فيتطرق إلى ميلاد السيد عبد الرحمن ونشأته وفترة الغزو الإنجليزي- المصري وما أعقبه من تشرد، وسياسة الحكومة اتجاه الأنصار، والدور الاجتماعي للسيد عبد الرحمن ومظاهره ونتائجه بشكل عام، والمشاريع الزراعية التي أقامها في الجزيرة أبا، وعلاقته بإدارة الحكم الثنائي، وأخيرا ما طمح إليه من نفوذ سياسي وديني في ظل التوازنات التي كانت قائمة في حينه. ووفقا لما يذكره الكتاب، فقد ولد عبد الرحمن في منزل والده الإمام المهدي بمدينة أم درمان عاصمة المهدية وقتئذ، وكان صغيرا عندما بدأت المحنة تطوق عائلته وجماعة الأنصار من حولها؛ أما أمه فهي مقبولة بنت أمير دارفور نورين بن السلطان محمد الفضل، وقد وقعت في الأسر وتعرضت للاسترقاق اثر سقوط الفاشر بيد الحكم التركي المصري ثم اهديت للمهدي بعد فتحه لمدينة الأبيَّض، فقبلها وقال "الهدية مقبولة" لتعرف بذلك الاسم الذي لازمها حتى الممات. وفي سن الحادية عشرة من عمره أكمل عبد الرحمن حفظ القرآن الكريم وبدأ يتردد على مجالس العلم، ثم بدأت المأساة تنسج خيوطها حوله وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره حينما شاهد قنابل البوارج الحربية الإنجليزية تتساقط على أحياء أم درمان وتحيلها إلى أكوام من تراب، ليفقد والده وأخاه محمد أكبر الأبناء الذكور للمهدي وليشهد يوم الانسحاب من عاصمة الدولة الجريحة حين صار الغزاة قاب قوسين أو أدنى منها، لتبدأ عائلة المهدي رحلة سنوات من اللجوء والتشرد في جزيرة الفيل التي منعت من مغادرتها.
ثم شاهد مجزرة الشكابة التي أصابته خلالها ثلاث رصاصات وقتل فيها الخليفة شريف وابنا المهدي الفاضل والبشر. ومع مرور الأيام بدأ عبد الرحمن ينتقل تدريجيا إلى موقع السيادة في أسرته وطائفته، وتعلم كيف يواجه قسوة الحياة المعيشية وعسف السلطة وقيودها، متذرعا بالصبر والمهادنة والملاينة، مصمما على تجنب الصدام والمواجهة ورد الفعل، إلى أن نجح عام 1908 في الحصول على إذن حكومي باستصلاح أراضي الجزيرة أبا وتعميرها.
ويصف المؤلف معتمدا على عشرات الوثائق والشهادات أحوال الجزيرة التي زارها السيد عبد الرحمن لأول مرة في عام 1906 حين قرر تجديد العلاقة مع الأنصار واتخاذ "الجزيرة أبا" كمركز روحي واجتماعي لأنصاريته الجديدة؛ وهكذا فكما كانت الجزيرة أبا مهد البداية الأولى للمهدية عندما رفعت سيف جهاد لم تضعه حتى أقامت دولتها التي انفرط عقدها في كرري وتمت تصفيتها نهائيا في أم دبيكرات، كانت "الجزيرة أبا" أيضا منطلق المرحلة الثانية من المهدية على يدي عبد الرحمن الذي سلك طريق المسالمة والمهادنة لتوسيع نفوذه السياسي والاقتصادي، فحول الجزيرة إلى معسكر أنصاري كبير للعمل الزراعي وأنشطته التي توسعت مساحتها لتلتهم الغابات وتوفر مقاولات سخية للأخشاب ومصدر دخل مهم للسيد. وبذلك استطاع عبد الرحمن أن ينفذ سياسته، وينصب وكلاء له في جميع أنحاء السودان، وأن يجمع الأنصار حول تعاليم الدين وأن ينشط تعاونهم في العمل الزراعي، ويقوي لحمة الترابط بينهم، وأن يخضعهم لسلطة الحكومة، سعياً إلى بناء المهدية الجديدة ولإنهاء رحلة المعاناة والتشرد في حياة الأسرة وعودتها إلى أم درمان.
ويعتقد المؤلف أن لحظة التحول في سياسة الحكومة تجاه الأنصار، كانت مع بدء الحرب العالمية الأولى. فللرد على الدعاية التركية التي مال إليها سلطان دارفور علي دينار، لجأ الحاكم العام الجنرال ونجت لاستخدام عبد الرحمن الذي كان يعيش في أم درمان (كان الوريث لبركة أبيه وظل أخيه الأكبر من الخلف)، ليستغل نفوذه بين أتباع والده في غرب البلاد خاصة، فكانت فرصة عبدالرحمن للتحرر من القيود التي كبله بها سلاطين باشا المفتش العام لحكومة السودان والخروج من حياة العوز والحاجة وعدم الأمان، ليصبح واحدا من أغنى الرجال في كافة أفريقيا وأكثرهم نفوذا.
وترسخت خلال سنوات الحرب وما بعدها أجواء ايجابية بين الأنصار والإدارة البريطانية التي اتخذت مجموعة من الخطوات تعكس درجة عالية من الثقة؛ مثل رفع الحظر عن كتاب "الراتب" واختيار السيد عبدالرحمن ضمن وفد أرسل إلى بريطانيا لتهنئة ملكها جورج الخامس بانتصار الحلفاء في الحرب. ثم جاءت حركة 1924 ذات الخلفيات الداعية إلى انضواء السودان تحت التاج المصري، فعارضها عبدالرحمن المهدي وأعلن وقوفه إلى جانب الإدارة البريطانية، فزاد التقارب بينهما