أستعير العنوان من تعبير جميل أطلقه الصديق الكاتب عمر الكوش في مقالة له عن "ربيع دمشق" يختمها بالإشارة إلى أن الفرصة متاحة بعد مؤتمر الحزب في دمشق للدعوة إلى مأدبة حوار يجتمع حولها مختلف النشطاء لتدارس الأوضاع. وقد استوقفني استخدامه كلمة المأدبة وحسن اختياره لها مكاناً وأسلوباً للحوار، ذاك أن للكلمة صلة بالأدب الذي لابد من أن يكون شرطاً لنجاح أي حوار. والأدب والتأديب هنا بمعنى التهذيب، والطريف أن من معانيه كذلك العدل، حيث يقال "ملأ البلاد أدباً أي عدلاً". والتأديب كذلك تعليم رياضة النفس ومحاسن الخلق. فأما المأدبة فهي ما صنع من طعام إذا تناوله المجتمعون حوله نمت بينهم صلة الخبز والملح. ولا أريد أن أسرف في الشرح اللغوي لأن الصلة واضحة بين المأدبة وبين شروط الحوار، وقد قيل إن القرآن "مأدبة الله"، وفي القرآن الكريم ذروة من ثقافة الحوار بما تعني من اعتراف بالآخر وحقه في الاختلاف، ومن تأديب وتهذيب، حسبنا أن نذكر منهما قول الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين يأمرهما بالذهاب إلى حوار مع فرعون الذي طغى (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى).
وكثير مما يدور من الحوار الذائع اليوم على صفحات الجرائد العربية وفي مواقع الإنترنت يحتاج إلى مأدبة يتهذب الناس فيها، ويتشاركون الخبز والملح، فتصفو نفوسهم من الضغائن التي لا يمكن أن يصل الحوار معها إلى تشارك وتفاهم. وثقافة الحوار ليست كمية من المعلومات تحشى بها ألأذهان، بل هي لطف ودماثة وصبر وتسامح وسعة صدر ونفس. وقد لاحظت أن اللغة الأكثر انتشاراً في الحواريات الدائرة هي لغة التشتاتم والتنابذ والذم والقدح والإقصاء، ولهذا وددت التوقف عند الدعوة الكريمة إلى مأدبة حوار أشارك صديقي عمر التأكيد على حاجتنا إليها، ولو أنها تمت بما تفرضه من احترام للخبز والملح والدم والهوية التي يتشارك فيها كل السوريين، لوجد المختلفون أن ما يتفقون عليه أكبر بكثير مما يختلفون حوله، وربما فوجئ كثير منهم بأن في مواقع السلطة أكثرية يضيقون بالفساد مثلما يضيق به المعارضون. وليس حلاً أن يترك الناس مواقعهم المسؤولة أو أن يقول قائلهم "اللهم هذا منكر لا أرضى به ولا أقدر على رده", بل أن يكافحوا الفساد ما وسعهم ذلك وأن يقدموا الصورة الأفضل لما ينبغي أن يكون عليه المسؤول، وأن يساهم كل حسب وسعه في الدفاع عن الوطن وفي صد الهجمة الظالمة عليه، وهي تستغل حاجة البلاد إلى الإصلاح، لتحقيق حاجة إسرائيل إلى هدم آخر القلاع العربية، وإلى إيقاف قلب دمشق النابض بالعروبة والإسلام. ومما يجعل الحوار الدائر بين السوريين اليوم ذا خصوصية غير مسبوقة جملة من العوامل, منها أنه يستفيد لتحقيق سعته وشموليته من توفر تقنيات الاتصال، حيث تشكل الفضائيات ومواقع الإنترنت ساحته الأرحب، بل تكاد تنوب عن الحضور المباشر، لما تحقق من مواجهة بين المتحاورين على الرغم من تباعدهم. ومنها كذلك أن الحوار لم يعد نخبوياً، بل هو حوار شعبي يسهم فيه كل الناس، من الذين يتحدثون في منابر إعلامية فضائية، أو يكتبون في منتديات النقاش الإلكترونية. وأهم العوامل أنه يحدث على الغالب في مأمن، وبرعاية من الدولة حيث تجد أشد الكتابات انتقاداً للسلطة تظهر من الداخل، وهذه ظاهرة صحية تدعو إلى الشعور بالطمأنينة وإلى إنهاء حالات الاستدعاء أو التوقيف العرفي بسبب التعبير عن الرأي ما دام تحت سقف الوطن.
وما أوجهه من انتقاد لغياب ثقافة الحوار لا يخص المعارضة وحدها، بل يخص المتحاورين جميعاً، وكي لا أقع في فخ التعميم فإنني أشيد بكتابات معارضة كثيرة تفوح منها رائحة الشعور الوطني النبيل، والخوف على الوطن من أعدائه المتربصين به، وبعض هذه الكتابات تكوي بنارها، ولكن شاعرنا الضخم نزار يقول: ومن الكي قد يجيء الشفاء. وبوسع القارئ أن يميز بين النار التي تكوي صاحبها حباً، وبين النار التي تشتعل حقداً وكراهية، وأخطر ما أخشى أن يقع فيه المتحاورون هو سيطرة الشعور بالحقد والتعصب في وقت تحتاج فيه سوريا الوطن إلى فيض من المحبة والألفة والالتفاف حول الوحدة الوطنية. ولعل الخطوات التي اتخذت على طريق العفو الشامل الذي نرنو إليه عن كل خطايا الماضي، تؤسس لبناء جسور متينة للتواصل بين أهل البيت الواحد، ولا سيما أن الخطر الذي يحيق به لا يهدد أحداً دون آخر، وفي الشدائد يدع الناس كل ما بينهم من خلافات، ويتجهون يداً واحدة لمقاومة الخطر. ونحن في سوريا ندرك خطورة ما يحاك حولنا، ونفهم أنه ليس ضد سوريا وحدها، فهو خطر يدق أبواب العرب باباً بعد باب، وهو ما زال يتوعدنا على الرغم من كوننا نزعنا الذرائع والأسباب، ولكن المتربصين بأمتنا يخترعون لكل يوم ذريعة، ولا يعنيهم أن تكون ذات شأن أو وضيعة، فهم يرون الحق إلى جانب ما يمتلكون من قوة، وقد أغفلوا حقائق العقل والمنطق، معتزين بما لديهم من قدرة على إشاعة الفوضى وعلى الحصار والهدم والتدمير.
وشعبنا في سوريا يدرك أن اختلاط الحق بالباطل يستدعي مزيداً من التعقل. فالإصلاح أمر ضرو