لقد ألحق التدخل العسكري البريطاني في الحرب على العراق, أضراراً بالغة بحملة إعادة انتخاب توني بلير لدورة ثالثة في رئاسة وزراء بلاده. فقد عصفت بمصداقيته السياسية والشخصية معاً حقيقة تلفيق المبررات التي شنت بسببها تلك الحرب, ووقفت فيها حكومته إلى صف إدارة بوش. ولم يعد سراً يخفى على الكثيرين, أن قرار الحكومة البريطانية بالانضمام إلى تلك الحرب, كان قائماً على الحدس والشكوك. كما تكشف للسطح خلال الأسبوع الماضي, أن ريتشارد ديلروف مسؤول المخابرات البريطانية, كان قد أبلغ توني بلير قبل الغزو بفترة, أن الولايات المتحدة اتخذت قرارها بغزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين, قبل عام كامل تقريباً من الغزو.
وربما يعود ذلك المخطط إلى بدايات شهر يوليو من عام 2002, وما حدث لاحقاً هو أن الحقائق والمعلومات الاستخباراتية قد جرى نسجها كي تؤيد تلك القرارات والسياسات. وعليه فقد جاء دور بريطانيا أيضاً كي تنسج على ذات النهج والمنوال, حتى تتسق وموقف بلير المؤيد المنحاز لتلك الحرب. وبذلك فقد لحق ضرر بالغ بسمعة المخابرات البريطانية, التي كانت تتمتع بمكانة وسمعة أفضل بكثير, مما تتمتع به وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
أما بالنسبة للولايات المتحدة, فليس ثمة حاجة للحدس والشكوك لأن المعنيين بشن تلك الحرب كانوا على قناعة بشنها, سواء نبعت قناعتهم هذه من مواقف أيديولوجية أم من مآرب وأطماع خاصة بهم في العراق. كما صدق الشارع الأميركي من جانبه, ما ورد على لسان الرئيس شخصياً من تصريحات قاطعة جازمة, حول الخطر الأمني القومي الذي تمثله أسلحة الدمار الشامل المنسوبة لصدام حسين. وهذا ما لا يصدق أو ينطبق على بريطانيا, على الرغم من أن الشارع العام هناك, لم يكن عادلاً إزاء توني بلير.
فقد فعل هذا الأخير تماماً ما هو متوقع من مايكل هوارد أو أي قائد آخر محافظ غيره, في مثل ظروف وملابسات أمنية كتلك. ولم يكن تصرف بلير ليختلف كثيراً عما هو متوقع من زعيم آخر مثل جوردون براون. فقد كان أي واحد من هؤلاء سيخوض الحرب إلى جانب الولايات المتحدة على زعم أنه، من واجب بريطانيا أن تؤازر حليفتها أميركا, وأن تحافظ على موقعها كأقرب حليف لواشنطن, أياً كانت تكلفة هذا التحالف. فقد ظلت هذه القناعة راسخة في الذهنية الدوغمائية الثابتة, التي تشكل السياسات الخارجية الأميركية منذ أيام الحرب الباردة. وإن كانت ثمة انحرافات واستثناءات في هذا المنحى العام, فربما كان الموقف البريطاني من حرب السويس, إلى جانب رفض هارولد ويلسون رئيس الوزراء البريطاني الصريح, تلبية النداء الذي وجهه الرئيس الأميركي الأسبق جونسون, إلى بريطانيا بإرسال جيوشها وقواتها للقتال إلى صف الجنود الأميركيين في حرب فيتنام.
أما بذور هذا الاعتماد البريطاني على الولايات المتحدة, فكانت قد بذرت خلال عقد العشرينيات, حيث تراكمت على بريطانيا مديونية الحرب العالمية الأولى, وتفاقمت أكثر إثر المساعدات المالية التي قدمتها لها الولايات المتحدة, إبان الحرب العالمية الثانية.
ولكل ذلك فإن الشعور بالالتزام إزاء واشنطن ظل دائماً أكثر من كونه التزاماً مالياً. ومهما يكن فقد بادر رئيس الوزراء الأسبق وينستون تشرشل إلى وضع المبدأ العام الذي يحكم العلاقات الحربية البريطانية- الأميركية. ويتمثل هذا المبدأ في أنه يتعين على بريطانيا أن تنحاز دائماً إلى صف الولايات المتحدة, أياً كانت الخيارات والبدائل الأخرى المطروحة. ومما عزز من هذه القناعة وأكدها, المفهوم الإنجليزي القديم السائد حول أن كبرى التهديدات التي تتربص ببريطانيا, إنما تأتيها عبر البوابة الأوروبية.
وخلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من حقب الحرب الباردة بين المعسكرين, كان التحالف البريطاني الأميركي ذا نزعة أخلاقية في الأساس, بقدر ما هو استراتيجي. ولا تزال بريطانيا إلى اليوم قوة عظمى في مجال العمل الاستخباراتي, وتتسم بتعاونها الوثيق مع الولايات المتحدة في هذا الجانب بالذات. وفي الوقت ذاته, فإن كلاً من بريطانيا وأستراليا وكندا تعد دولاً رئيسية في نظام التشويش والاعتراضات الأميركي في مجال الاتصالات. كما توفر كل من بريطانيا وكندا، قواعد عسكرية للدفاعات الجوية والصاروخية الأميركية, إلى جانب تقديمهما قواعد للمشروعات الأميركية الخاصة بالدفاعات الصاروخية المضادة للصواريخ.
بيد أن هناك عاملين رئيسيين يضعفان هذا التحالف البريطاني- الأميركي. وأولهما أوروبا. ذلك أن هذه الأخيرة تهم ببناء سياساتها الأمنية والخارجية المستقلة بها كقارة. كما أنها تعمل على بناء نظمها الدفاعية الخاصة, وتولي مهامها والتزاماتها الدفاعية الخارجية لقيادة الاتحاد الأوروبي. وفي كل هذا ما يخلق التوترات في العلاقة الاستراتيجية التي تربط بين كل من واشنطن ولندن في هذه المجالات جميعاً. ومن جانبها صارعت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي, كي تضمن مسودة دستور الاتحاد الأوروبي الجديد, فقرة تنص على إعطاء العلاقات مع حلف الناتو, أهمية على غ