يعتبر ستيفن مانسفيلد مؤلف كتاب:"إيمان الجندي الأميركي"، وهو كتاب من 256 صفحة أحد الكتاب المرموقين في الولايات المتحدة، إذ تحقق مؤلفاته نجاحا واسعا بين أوساط القراء الأميركيين. وتكمن فرادة هذا الكاتب وتميزه في نوعية المواضيع التي يتطرق لها في كتبه. فبعيدا عن التحليلات الاستراتيجية والأكاديمية الغارقة في التجريد، يقدم ستيفن مانسفيد مواضيع تلامس حياة الفرد الأميركي، وخصوصا ذلك الفرد الذي قبل الانتساب إلى الجيش الأميركي في وقت ليس من السهل فيه الدخول في مشروع بهذه الخطورة. وربما يرجع سبب اختياره لمثل هذه الموضوعات التي تلاقي صدى طيبا لدى الجنود إلى انتمائه لأسرة كان معظم أفرادها ضباطا في الجيش الأميركي وشاركوا في الحروب المختلفة التي خاضتها هذه الأخيرة في العالم.
لكن ليس الجيش الأميركي وحده هو ما يشغل المؤلف، بل هو يزاوج من جهة بين الحرب التي يخوضها الجنود والمعارك الضارية التي يساقون إليها والإيمان الذي يحمله الجندي في قلبه ويجعله قادرا على تحمل تلك المعارك القاسية من جهة أخرى. إنه يريد أن يبرز الدور الذي يلعبه الإيمان في تحفيز الجندي للنهوض بأعبائه, لذا فهو يعتبر أن ساحة المعركة غالبا ما تمثل بوتقة للتحول الديني. وارتباطا مع نفس الموضوع، يطرح ستيفن مانسفيلد في كتابه مجموعة من الأسئلة التي يسعى للإجابة عنها بالتدريج. ومن تلك الأسئلة: هل يرجع الرجال والنساء المشاركون في الحرب إلى ذلك الإيمان الذي تربو عليه خلال السنوات الأولى من حياتهم لينهلوا منه ويتزودوا به أثناء القتال؟ أم يخلقون روحانياتهم الخاصة انطلاقا من الواقع المحيط بهم؟ ثم هل يفقد الجنود كامل إيمانهم في وجه الفظاعات الكثيرة التي يلاقونها أم تراهم ينسجون لأنفسهم إيمانا آخر يساعدهم على تحمل مشاق الحرب وويلاتها؟. ثم السؤال الأهم والجوهري في نظر المؤلف وهو هل يصبح الجنود أقوى على القتال وأقل تعرضا للإرهاق الجسدي والضغوط النفسية إن هم آمنوا بصوابية الحرب التي يخوضونها، وأنهم يقومون بعمل خير؟.
وينطلق الكاتب من تجربته السابقة كأحد رجال الدين في الكنيسة البروتستانتية وكدارس للتاريخ الأميركي ليستعرض كافة الحروب التي خاضتها أميركا عبر التاريخ وينقب، من وجهة نظر لاهوتية، كيف أمكن للدين أن يتدخل في هذه الحروب عن طريق التأثير المباشر والقوي على أداء الجنود في ساحة المعركة، والذين يؤكد المؤلف أنهم ليسوا مجرد آلات تتحرك دون خلفيات تاريخية وإيمانية تحدد سلوكهم في القتال، بل بالعكس من ذلك، يتفاعلون بشكل واضح مع معتقداتهم. وفي بعض الأحيان يقيمون لأنفسهم وشائج من العلاقات تربطهم مع بعضهم بعضاً قوامها الوقوف بجانب رفاقهم وعدم التخلي عنهم في الأوقات الحرجة، والالتزام بقيم الشجاعة والحفاظ على روح الفريق.
غير أن المؤلف يحاول في نفس الوقت الإشارة إلى الثغرات التي تعيق الأداء الجيد للجنود الأميركيين وتجعلهم مضطربين وغير واثقين من أنفسهم، وتتصل هذه الثغرات أساسا، في نظر المؤلف، بضعف التكوين الديني للمقاتلين وقلة درايتهم بالتاريخ. وهو يقيم مقارنة بين حالة الجنود الإيمانية في السابق والوضع المتردي نسبيا الذي بات ينعكس سلبا على القوة القتالية للجنود في الوقت الراهن. ويلاحظ ستيفن مانسفيلد أن الجنود غالبا ما يتركون دون توجيه أو إرشاد إزاء مواضيع حساسة كاحتمال التعرض للموت أو قتل الأعداء، وهي أمور تستوجب رباطة جأش يدعمها إيمان قوي بأحقية ما يقوم به الجندي.
ويحاول ستيفن مانسفيلد من خلال القصة المأساوية لراسل ريبيتو، النقيب في الجيش الأميركي، أن يستعرض وجهة نظره الخاصة بعلاقة الإيمان بالحرب. وهو يبدأ هذه القصة، من حيث انتهت, عندما لقي الضابط الأميركي مصرعه في أحد التفجيرات المميتة بالعراق. ولكن بالرجوع إلى ماضي راسل ريبيتو يتبين لماذا أورد المؤلف حكايته المؤلمة. فقد كان نموذج الجندي الأميركي المثالي الذي تفانى في خدمة الجيش منذ أن التحق بوحدة المدفعية، حيث تم تعيينه في أفغانستان، وهناك بدأت تتغير حياته وتنقلب رأسا على عقب عندما شهد مقتل أحد أصدقائه الضباط في إحدى العمليات. لم يكن راسل ريبيتو ممن يهتمون كثيرا بأمور الدين، لكن ما حدث له في أفغانستان جعله يعود إلى جذوره المسيحية ليبحث فيها عن إجابات للهواجس التي كانت تسيطر عليه وتقض مضجعه. وما هي إلا أيام معدودات حتى أصبح راسل رجلا مغايرا لا يفارق الإنجيل جيبه حتى وهو يخوض المعارك. ويعتبر المؤلف ستيفن مانسفيلد أن مثل هذا الإيمان القوي هو ما جعل راسل ريبيتو يحظى باحترام جميع رفاقه وأن يبلي البلاء الحسن في الحرب دون خوف أو وجل.
ويرجع مؤلف الكتاب إلى التاريخ ليستقي منه بعض الأدلة على صحة فكرته والمتمثلة في تلازم الإيمان والقوة لإفراز جندي متميز. لذا نجده في أحد فصول الكتاب يغوص في التاريخ ليوضح بعض الطقوس الدينية التي كانت تمارس في العصور الوسطى لمنح لقب فارس للمقاتلين، فقبل منح اللقب يتم ترديد بعض الصلوات، كما يتم غسل جسمه بماء الورد وقص