من أهم الملامح المميزة لنظام الرئيس بوش, قدرته على الهروب من تحمل المسؤولية. وهي ذات النتيجة التي توصل إليها تقرير اللجنة الرئاسية النهائي حول الاستخبارات، الذي صدر في 30 مارس الماضي، حيث أفاد "ديفيد كاي" و"تشارلز دولفر" في تقريرهما السنة الماضية أن المعلومات الاستخباراتية التي اعتمدت عليها الإدارة الأميركية للدخول في الحرب كانت "خاطئة تماما".
وقد تجنب هذا التقرير مثله في ذلك مثل التقرير الذي أعده الكونغرس حول 11/9 أي حديث عن مسؤولية الرئيس، منحياً باللائمة فقط على وكالة الاستخبارات الأميركية. وأفاد كل من السيناتور "تشاك روب" والقاضي "لورنس سيبرمان"، اللذان ترأسا اللجنة الرئاسية، أنهما لم يكونا مخولين بفحص كيف استعمل صناع القرار بالبيت الأبيض معلومات استخباراتية كاذبة.
وبالرغم من أن بلير وبوش يعتقدان أن إعادة انتخابهما تشفع لهما عن سياساتهما، إلا أنهما مسؤولان أمام المجتمع الدولي بالنظر لخرقهما القانون الدولي، والنتائج التي تمخضت عنها حرب العراق. فلا يخفى على أحد أن الحرب أودت بحياة العديد من المدنيين العراقيين، وهذا ما تؤكده الدورية العلمية "لانسيت" التي يصدرها معهد "جون هوبكينز", والتي بلغت تقديراتها أن 100 ألف عراقي مدني قضوا نتيجة غزو العراق.
ويقول كاتب التقرير في الدورية العلمية "د. لي روبرتس": لقد أفادت تقاريرنا أن أكثر من نصف الذين قتلتهم قوات التحالف كانوا من النساء والأطفال. ويرجع هذا إلى اعتماد الإدارة الأميركية الكبير على تقديرات وكالة الاستخبارات الأميركية حول العراق التي أصدرتها في أكتوبر 2002 لتسويغ قرار دخولها الحرب. غير أنه لا يمكن للمعلومات الاستخباراتية السيئة أن تشكل دفاعا عن حرب غير قانونية أو عن الخسائر في أرواح المدنيين، خصوصا أن العديد من المسؤولين ضمن الاستخبارات قدموا وجهات نظر معقولة ومغايرة. وهو ما أكده المحلل السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية "لاري جونسون" عندما قال: بالرغم من تحذيرات المحللين المستمرة في وكالة الاستخبارات الأميركية للإدارة من أن المعلومات المتوفرة عند البريطانيين غير موثوق فيها، وأن التقارير الواردة حول محاولة العراق وضع يده على الأسلحة النووية لم تكن صحيحة، إلا أن صناع القرار صموا آذانهم.
والأدهى من ذلك، كما تشير الدلائل الآن، أن قرار بلير وبوش غزو العراق اتخذ قبل وقت طويل من ظهور المعلومات الاستخباراتية السيئة التي يعلقون عليها دوافع الحرب. وقال السير "كريستوفر ماير"، الذي كان حينها سفير بريطانيا لدى واشنطن، أن الرئيس بوش طلب من بلير في مأدبة خاصة للعشاء في البيت الأبيض في 20 سبتمبر 2002 دعمه للإطاحة بصدام حسين بالقوة.
ومن جانبه، أكد الوزير السابق للخزانة في إدارة بوش "بول أونيل" في كتابه "ثمن الولاء" أن بوش كان مصمماً على غزو العراق حتى قبل أحداث 11 سبتمبر. وقد عزز "ريتشارد كلارك"، منسق بوش لمكافحة الإرهاب، هذا الكلام في كتابه "ضد جميع الأعداء" عندما قال إن بوش "سحبني إلى غرفة حيث يوجد أشخاص آخرون، ثم أغلق الباب... ومن خلال كلامه لم يكن هناك أدنى شك في أن بوش كان يريدني أن أكتب تقريرا يقول إن العراق هو من قام بالهجمات" (هجمات 11سبتمبر). وعندما رفع لاحقا "كلارك" تقريره الذي يقول بعدم وجود أدلة تثبت تورط العراق في هجمات 11 سبتمبر، أرجع إليه التقرير لأنه كان "الجواب الخطأ".
ولم ينجُ بلير من هذه الاتهامات، حيث اتهمته وزيرة التنمية الدولية "كلير شورت" بممارسة مقصودة للخداع "أخشى أن رئيس الوزراء قام بالفعل بالتضليل". وكشف مؤخرا أن المدعي العام في إنجلترا "لورد جولدسميث" كان يرى أن الحرب من أجل تغيير النظام غير قانونية, وأن بلير قرر "تشكيل" الرأي العام وتضليل البلد والعالم.
ولو قارنا كيف أن الكونغرس والدوائر الإعلامية المتنفذة تعقبت بدون هوادة الرئيس كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي حتى أوصلوه للمحاكمة، نرى كيف أن نفس حماة الديمقراطية هؤلاء أصبحوا لا يعبأون بالاتهامات واللوم، ولا حتى بالحرب غير القانونية التي كلفت الآلاف من أرواح الأبرياء.