عمل 12 عاماً محرراً للعلوم والتكنولوجيا في أكثر صحف لندن العربية ليبرالية. وكان يتوقع صباح كل يوم تسريحه من عمله بسبب تقصّيه الحقائق عن أسلحة الدمار الشامل العراقية. هل هناك شهادة جدارة أفضل لصحيفة عربية اكتفت طوال الوقت بالتهديد بوقفه عن العمل؟ وشهادة فشل أسوأ لوكالة المخابرات المركزية الأميركية "السي آي أيه" من اعترافها أخيراً بحقائق نشرها المحرر العلمي العربي في تسعينيات القرن الماضي؟ أكد ذلك التقرير النهائي لفريق التفتيش عن الأسلحة، الذي شكلته "السي آي أيه" بعد احتلال العراق. ضمّ الفريق 1200 خبير، عملوا فترة سنتين، وسقط منهم 12 قتيلا، ليقرّوا بأن العراق دمّر أسلحة الدمار الشامل منذ عام 1992، وأن العلماء العراقيين الأسرى أبرياء من تهمة الضلوع ببرامج إنتاج هذه الأسلحة.
لماذا إذن يبقى 105 علماء عراقيين رهن الاعتقال لحد الآن؟
تقرير "السي آي أيه" لا يجيب عن ذلك، لأنه يتضمن نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة أسوأ من الكذب. وهذا أهم ما اكتشفه المحرر العلمي العربي خلال متابعته ملفات أسلحة الدمار الشامل. أول ملف كان فضيحة محاكمة بول هندرسن، مدير مصنع إنتاج المعدات "متريكس تشرشل"، الذي اشتراه العراقيون عام 1987. كلفت التحقيقات القضائية حول اقتناء العراقيين للمصنع، الذي كان يُعدّ جوهرة صناعة الآلات البريطانية أكثر من خمسة ملايين دولار. واستُدعي للتحقيق فيها زعماء السياسة والمخابرات والدفاع والصناعة آنذاك، بمن فيهم رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، التي لعبت دوراً أساسياً في شن حرب الخليج عام 1991. وظهر أن القضية كانت لعبة قمار خاضها العراقيون للحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وراهن عليها رجال أعمال بريطانيون لإنقاذ صناعة المعدات البريطانية المشرفة على الهلاك.
وكشفت متابعات المحرر العلمي العربي أن هندرسن الذي كان يتجسّس على العراق لحساب المخابرات البريطانية لم يغفر للعراقيين قطّ حصولهم على "متريكس تشرشل" مجاناً تقريباً. فالشراء تمّ مقابل صفقات لتجهيز العراقيين بمنتجات المصنع، وإيداع مبلغ مليونين ونصف المليون جنيه إلى جهة ثالثة. ويحق للعراقيين استعادة المبلغ في حال عدم تطابق نتائج المشروع مع تقديرات وثائق البيع.
ونقل المحرر العلمي عن هندرسن قوله إن أول درس تعلمه من تعامله مع العراقيين أنهم يصرون على شراء تكنولوجيا مزدوجة يمكن تحويلها من الاستخدامات العسكرية إلى المدنية وبالعكس. وثاني درس أنهم لا يتعاملون بأسلوب "الجنتلمان" الإنجليزي، الذي يحترم الاتفاق، لكنهم يلتزمون حرفياً بأي اتفاق يوقعون عليه. وذكر هندرسن أن العراقيين اختفوا بعد مفاوضات شاقة انتهت بالاحتفال بالاتفاق النهائي. وعادوا بعد فترة بعقد بديل يتضمن مواصفات تقنية مختلفة، و"تحلية" للصفقة، حسب تعبيرهم. استجاب هندرسن لطلب "التحلية"، الذي يتكون من "ماكينة لحيم القذائف بالضغط"، وكافأه العراقيون بتعيينه مديراً عاماً لشركة "ماتريكس تشرشل". فتح له ذلك أبواب العراق الصناعية، التي يذكر أنها كانت تضم أكبر مصنع معدات آلية في العالم رآه في حياته، وأكثرها تجهيزاً بالتكنولوجيا المتقدمة.
معلومات تفوق الخيال نقلها المحرر العلمي عن هندرسن، الذي روى كيف استحوذ العراقيون على تكنولوجيات متقدمة عبر شبكة شركات أسسوها، أو ساهموا فيها، تمتد من سانتياغو في تشيلي، وفلوريدا في الولايات المتحدة، وتورونتو في كندا، إلى سيدني في أستراليا، وطوكيو في اليابان. حصلوا عن طريق هذه الشبكة على تقنيات "الروبوت"، والألياف الكربونية المستخدمة في صناعة الصواريخ، وكومبيوترات متقدمة من "هوني ويل"، وتقنيات فضائية من "هيوز كرافت".
أساليب التغطية المالية لعمليات نقل التكنولوجيا المتقدمة تشكل أكثر فصول القضية إثارة، وبينها استخدام قروض المساعدات الزراعية الأميركية للعراق، التي بلغت ملياري دولار، وضمانات القروض البريطانية وبلغت أكثر من مليار دولار.
وكشفت تقارير المحرر العلمي أن قضية "متريكس تشرشل" واحدة من رهانات عراقية عدة للحصول على التكنولوجيا كان أكثرها دوياً "المدفع العملاق". المهندس البريطاني كريس كاولي، مدير مشروع "المدفع العملاق" اعترف بعد اعتقاله بتورط حكومات، بعضها عربية في المشروع، الذي قضى على بنوك وشركات دولية، واغتيل بسببه نائب رئيس الوزراء البلجيكي آنذاك أندريه كوولز، والعالم الكندي جيرالد بُل، مُصّمم "المدفع العملاق"، الذي اغتاله "الموساد" الإسرائيلي في بروكسل.
و"الحقيقة نادراً ما تكون خالصة وليست بسيطة قطعاً". هذه العبارة المشهورة للأديب الإيرلندي أوسكار وايلد تصور الأجوبة التي حصل عليها المحرر العلمي عن تساؤلاته: هل هناك أعقد من قضية شنّت بسببها بريطانيا والولايات المتحدة حربين "عالميتين"، وانتهكت ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية، وأهدرت مليارات الدولارات، وهذا السيل الذي لا ينتهي من الدماء؟ وهل شهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا تجربة مماثلة لاستخدامهما في تدمير طموح العراقيين إلى امتلاك قد