للمرة الثالثة على التوالي فاز حزب العمال البريطاني بالأغلبية البرلمانية التي مكنته من تشكيل الوزارة العمالية الثالثة برئاسة توني بلير. وهذا حدث غير مسبوق في تاريخ الحزب العتيق، وبذلك أصبح بلير أول زعيم عمالي يترأس الحكومة البريطانية لثلاث دورات برلمانية.
لكن هذا النصر الذي حققه العمال، تحقق بثمن فادح بالنسبة لتوني بلير شخصياً. فالأغلبية المريحة جداً التي حصل عليها الحزب في الانتخابات السابقة 422 مقعداً قد تقلصت إلى أقل 355 مقعدا, بخسارة 67 مقعدا. ونسبة الأصوات التي حصل عليها سابقاً (40.7%) قد تدنت إلى (37%). وكثير من ناشطي الحزب وقواعده التاريخية أعلنوا سخطهم وغضبهم الشديد على رئيسهم توني بلير. وصورة "الملك توني" الساحر الذي حقق للحزب انتصاره السابق قد اهتزت إلى درجة أن كثيراً من قادة الحزب أصبحوا يرون في بلير مشكلة للحزب، وأن شكوكاً كثيرة تراودهم حول قيادته وقدرته على الفوز في الاستفتاء العام حول الدستور الأوروبي الذي سيجرى العام القادم.
والسبب هو موقف الرئيس البريطاني من حرب العراق وأكذوبته الضخمة التي لم ينسها له الناخبون البريطانيون ولم يغفرها له كثير من ناشطي حزبه القدامى. وهكذا فإن هذا النصر التاريخي - حسب قوله- الذي حققه الزعيم العمالي سيكون على الأرجح هو بداية النهاية لزعامة توني بلير الزعيم العمالي الذي افتتح "الطريق الثالث". لم تقتصر طموحات بلير التاريخية على زعامة حزب العمال ولكنه أراد أن يؤسس طريقاً ثالثاً على المستوى العالمي يقف فكرياً بين الرأسمالية المتوحشة والاشتراكية الشمولية المتحجرة كما قال, فإذ به يتوه في منتصف الطريق.
وكانت البداية هذه العلاقة الحميمة التي قامت بينه وبين الرئيس الأميركي جورج بوش، والتي دفعته إلى حرب العراق الأميركية, في وقت كانت فيه أغلبية الرأي العام البريطاني والأوروبي ترفض الحرب ومبرراتها التي ساقها الأميركيون وتحمس لها بلير إلى درجة دفعته إلى الكذب على الرأي العام البريطاني وإخفاء بعض الحقائق حتى على أعضاء حكومته. وهكذا فإن الناخبين العمال الذين ساءتهم مواقفه في العراق قد قرروا أن يعاقبوه بخفض أغلبيته البرلمانية الكبيرة، وبانتخاب النواب العمال الذين تمردوا على سياسته والذين أرادوا إزاحته عن زعامة الحزب.
وكان الفائز الوحيد في هذه الجولة الانتخابية البريطانية هو حزب الأحرار الديمقراطيين الذي يجاهد بدأب وصبر لكسر الدائرة البرلمانية المغلقة على الحزبين "العمال" و"المحافظين". وبرغم أنه لم يحقق نصراً كبيراً فإن نسبة الأصوات الكلية التي حصل عليها في هذه الجولة قد ارتفعت إلى 22% متجاوزاً نسبة الـ18% التي حققها في الانتخابات السابقة.
وكان سبب النجاح أيضاً - فيما يرى معظم المعلقين البريطانيين- هو موقف الحزب الواضح والقوي ضد الحرب في العراق، وقيادته مع قوى السلام الأخرى لتظاهرات ومواكب بريطانية حاشدة ضد الحرب, ومناهضته لسياسة بلير وتبعيته للسياسة والتوجهات الأميركية.
هل سيكمل توني بلير هذه الدورة رئيساً للحكومة البريطانية كما قال قبيل الانتخابات ثم يتنحى عن المسرح السياسي البريطاني؟
كل تعليقات الصحف والمحللين السياسيين تشير إلى أن العمال - حفاظاً على حزبهم ومستقبلهم القريب- سيستبدلون بلير بوزير ماليته بعد عام أو عامين على الأرجح!.