العمل السياسي، مثله مثل أي عمل بشري، يحتمل الصواب والخطأ، وجلّ من لا يخطئ. فالخطأ في العمل السياسي ليس عيباً، ولكن العيب هو في عدم الاعتراف بالخطأ حال حدوثه، والهرب من مسؤولية تصحيحه، أو الإصرار عليه والمضي فيه.
وقد وقعت أخطاء كثيرة في عملية تشكيل حكومة د. إبراهيم الجعفري في العراق، وشاركت أطراف عدة في اقتراف هذه الأخطاء. غير أن لائحة "الائتلاف العراقي الموحد" التي حصدت أكثر من نصف مقاعد البرلمان الحالي تتحمل المسؤولية الأولى عن الخطأ المنهجي الجوهري الذي أنتج أخطاء كبيرة تلقي بظلالها الداكنة على مستقبل العراق.
فالمنبع الرئيس للأزمة الراهنة هو المنهج الذي اعتمده الجعفري منطلقاً ومرشداً في عملية تشكيل الحكومة، ولم يكن هذا المنهج إلا امتداداً للطريقة التي شُكلت على أساسها لائحة "الائتلاف الموحد"، والأجواء التي اقترنت بهذه الطريقة وسادت العملية الانتخابية في 30 يناير الماضي. فقد شُكلت اللائحة على أساس ديني- طائفي، ولعبت المرجعية الشيعية وعلى رأسها السيد علي السيستاني الدور الرئيس في تشكيلها، ثم في تحقيق تعبئة طائفية واسعة لدعمها.
وربما كان لهذه الطريقة ما يبررها، أو قل ممكناً فهمها في ضوء الظروف الصعبة التي أحاطت الانتخابات، ولكن من زاوية أن نجاح هذه الانتخابات ينقل العراق إلى مرحلة جديدة نوعياً لا يبقى فيها مكان لمثل هذا الأسلوب. كان إجراء الانتخابات في موعدها تحدياً كبيراً، بل كان رهاناً على مستقبل بلد وشعب، وقد كسب الشعب العراقي الرهان. وبالرغم من أن قطاعاً أساسياً فيه حُرم من المشاركة في عملية الاقتراع، فقد عادت هيئات وأحزاب وقوى تعبر عنه إلى المشاركة في العملية السياسية التي أعقبت الانتخابات. ولذلك باتت الظروف مهيأة للشروع في بناء العراق الديمقراطي انطلاقاً من عملية تشكيل أول حكومة منتخبة منذ نحو نصف قرن.
ولكن كان هذا يقتضي منهجاً سياسياً مغايراً لذلك الذي اقترن بطريقة تشكيل لائحة "الائتلاف الموحد" والأجواء التي سادت مرحلة الإعداد للانتخابات. كان ضرورياً اعتماد منهج توافقي يهدف إلى تشكيل حكومة تكون مهمتها الأولى الإشراف على عملية كتابة وإقرار الدستور. ووفق هذا المنهج، كان يجوز، بل ربما يتعين، أن تبدأ عملية تشكيل الحكومة الجديدة بتقويم أداء كل وزارة في الحكومة السابقة والإبقاء على الوزراء الذين حققوا تقدماً ملموساً خلال الشهور السابقة، وخصوصاً أن عمر الحكومة الجديدة هو أقل من عام واحد إذا التزمت بالجدول الزمني الذي حدده مجلس الأمن.
وعلى هذا النحو كان مفترضاً أن تكون الحكومة الجديدة امتداداً لسابقتها، مع أخذ نتائج الانتخابات والأوزان النسبية التي أظهرتها في الاعتبار بطبيعة الحال. كما كان مفترضاً أن تنطوي عملية تشكيل هذه الحكومة على قطيعة مع المنهج الذي ساد في تشكيل لائحة "الائتلاف الموحد".
غير أن ما حدث كان العكس، فعملية تشكيل الحكومة كانت امتداداً لمنهجية تكوين هذه اللائحة والأجواء الطائفية- العرقية والمذهبية الأحادية التي اقترنت بها. وهذه منهجية فرضت أن تكون الحكومة الجديدة في حال قطيعة مع الحكومة السابقة في ظروف لا تحتمل البدء من نقطة الصفر وإهدار إنجازات تم تحقيقها في قطاعات شديدة الحيوية وبالغة الخطر في آن معاً، مثل الأمن والنفط والتخطيط.
وهذا هو الخطأ الجوهري الذي أنتج الاختلالات التي حدثت سواء في التفاوض مع المجموعات التي تحدثت باسم السنّة العرب واللائحة "العراقية" التي يقودها رئيس الوزراء السابق د. إياد علاوي، أو في تجاهل أطراف صغيرة في حجمها ولكن كبيرة في تأثيرها غنية بكوادرها الأكفاء مثل الحزب الشيوعي ولائحته الانتخابية "اتحاد الشعب" وتجمع الديمقراطيين المستقلين الذي كان يقوده عدنان الباجه جي وغيرهما. وهذا فضلاً عن الارتباك الناجم عن غياب رؤية واضحة، والذي وجدنا أثراً له في التعاطي مع فئات بكاملها من الشعب العراقي، مثل التركمان والمسيحيين. وفي هذه الاختلالات، وغيرها، عشرات التفصيلات التي يعيدنا كل منها إلى الخطأ المنهجي الجوهري الذي سيدفع العراق وشعبه ثمنه الفادح في حال عدم تصحيحه ضمن مراجعة شاملة يبادر بها د. الجعفري الذي لا أظنه راضياً عما آلت إليه الحال.
فلم يتحمل هو شخصياً، وغيره من المناضلين في لائحة "الائتلاف الموحد"، كل هذا العنت على مدى عقود أمضوها في مقاومة نظام متوحش لينتهي الأمر إلى المشهد الراهن الذي يغري البعض بردّ الاعتبار للرئيس المخلوع صدام حسين. وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد، يصبح على الطبقة السياسية الجديدة مراجعة ما حدث منذ الانتخابات، بمن فيهم بل في مقدمتهم الجعفري. فهو يتحمل، في هذه اللحظة، المسؤولية الأولى عن الأزمة المستحكمة التي ترتبت على المنهج الذي اتبعه في تشكيل حكومته بالرغم من أنه قد لا يكون هو المسؤول الأول عن هذا المنهج الذي أصر عليه أطراف في لائحة الائتلاف الموحد، باعتباره امتداداً لطريقة تشكيل هذه اللائحة التي ما كان لمعظم تلك الأطراف أن يتصدروا المشهد العراق