قبل عشر سنوات تقريباً، أطلق صموئيل هنتنغتون نظريته المشهورة التي تحدث فيها عن عالم ما بعد الحرب الباردة، معتبراً أن الصدام والصراع القادمين على مستوى العالم سيكونان بين عدة حضارات من بينها الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية، وقد أخذ هنتنغتون يروّج لهذه النظرية على مستوى الغرب، حتى وصلنا إلى نظرية أخرى على المستوى العملي باتت تعرف بالحرب الاستباقية، والتي كان من ضحاياها أفغانستان والعراق، بقدر ما كانت الولايات المتحدة الأميركية نفسها ضحية أخرى من ضحاياها حيث راحت تكتشف مؤخراً سلبيات هذه النظرية، وعدم جدواها في توفير الأمن والاستقرار. وأثبتت هذه النظرية فشلها في وضع حد لحالة العداء ضد الغرب عموماً، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وهذا ما روّج لفكر العنف والتطرف الذي بات يفكر بالانتقام من الغرب في عقر داره، أكثر مما يفكر بأي شيء آخر.
ومن هنا فقد راحت مراكز الدراسات في العالم الغربي تفتش عن حلول للخروج من هذا المأزق، وذلك عبر سياسات جديدة مخالفة لنظرية الصدام، وموافقة لنظرية الحوار على اعتبار ذلك يشكل المدخل لبداية ربط علاقة جديدة مع العالم الإسلامي تقوم على أساس التواصل وفهم الآخر والتعامل معه ضمن مساحات مشتركة يمكن أن تؤسس لحالة من الاستقرار لكلا الجانبين، ومن هنا بدأت بعض مراكز الأبحاث والدراسات والتي على علاقة بصناعة القرار الأميركي، كما بدأت دوائر معينة في الإتحاد الأوروبي، بفتح حوار مواز مع الحركات الإسلامية المعتدلة التي لا تتبنى العنف وسيلة للوصول إلى السلطة، وتؤمن بالخيار الديمقراطي كوسيلة، كما تؤمن بتداول السلطة مع مكونات المجتمع الأخرى.
لقد اكتشفت أميركا وأوروبا أن الحرب على العالم الإسلامي، والصدام معه، يدفع نحو تبني نظرية الصدام مع العالم الغربي، ويوفّر فرصة كبيرة لانتشار الأفكار والتيارات المعادية للغرب على مستوى العالم الإسلامي، ويعطيها الشرعية. وأدركت كل من أميركا وأوروبا أن أفضل المخارج لتأمين استقرار القارتين يكون عبر فتح حوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة، وتجاوز الحكومات وادعاءاتها، لأن هذه الحركات لها التأثير الواسع والكبير في الشارع الإسلامي، وتستطيع صياغة علاقة تضمن من خلالها أوروبا وأميركا نوعاً من الاستقرار.
وائل نجم - بيروت