ضمن النقاشات الدائرة حول التوطين وما يشوب سوق العمل المحلي من اختلالات هيكلية، يعتقد الكثيرون أن "ثقافة العمل" السائدة لدينا تلعب دورا ولو محدودا في تعميق هذه الاختلالات. ويستند هؤلاء في دعم رؤاهم إلى غياب العنصر المواطن عن كثير من المهن والوظائف، وأن "العيب" والنظرة المجتمعية الدونية لبعض المهن والوظائف تحول دون التحاق الشباب بها رغم حاجتهم الشديدة للعمل. وهذا الرأي فيه قدر من الصواب والواقعية رغم أن هناك أيضا من يرى فيه "رأيا مؤجلا" انطلاقا من أن حجم الوظائف التي يفرزها سوق العمل المحلي سنويا قادر على استيعاب المواطنين العاطلين من دون الحاجة إلى أن نطالبهم باختراق الحواجز التقليدية والقبول بوظائف يعتبرونها أو تصنف مجتمعياً ضمن "الوظائف الدنيا"!.
وفي جميع الأحوال، فإن التأسيس لثقافة عمل جديدة أمر يبدو مطلوبا في ظل ارتفاع سقف التنافسية في سوق العمل وتضخم القطاع الحكومي والعام بالوظائف، لدرجة بات يصعب معها الرهان عليه في استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من خريجي وخريجات الجامعات سنويا، ناهيك بالطبع عن أن الاتجاه العام السائد في العالم أجمع وليس في دولة الإمارات فقط، قائم على تقليص عدد القطاعات التي تشرف عليها الدولة والتركيز على خصخصة الكثير من القطاعات الخدمية لتعزيز الكفاءة وتخفيض الإنفاق الحكومي وتفرغ الدولة لمهامها الحقيقية في الإشراف والمراقبة ووضع الخطط والسياسات التنموية المستقبلية.
ومن أهم ركائز التغيير والتحول الثقافي خصوصا إذا تعلق الأمر بصور نمطية سادت على مدى عقود وربما قرون، أن يتم التعامل مع المسألة بقدر هائل من الوعي كي لا تصطدم محاولات تغيير الاتجاهات بمنظومة القيم الثقافية المتجذرة مجتمعيا، كما ينبغي أيضا بلورة "رسالة" واحدة تسهم في بثها جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية وقنواتها، بداية من المدارس والمناهج التعليمية وانتهاء بمؤسسات المجتمع المدني مرورا بوسائل الإعلام ودور العبادة وقادة الرأي في المجتمعات وغير ذلك من قنوات التأثير الفكري والثقافي في المجتمع.
ومن أهم الأفكار التي تتطلب تغييرا من هذا النوع النظرة إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها مظلة أمان للشباب في مقتبل حياتهم، ومحاربة الأفكار والأمثال التي تغذي هذه النظرة وتسويق أفكار جديدة قائمة على نماذج حية من الواقع للإسهام في خلخلة الأفكار السائدة، تمهيدا لتغييرها تدريجيا. وهناك أيضا النظرة التقليدية السائدة نحو العديد من المهن الحرفية واليدوية وارتباطها بأنماط معينة من البشر، وهناك كذلك التسليم بأن الوظيفة الحكومية هي مدخل للترقي الاجتماعي والحصول على حظوة أو نفوذ ما، مقابل ربط بعض المهن والوظائف بالدرجات الدنيا من سلم الترقي الاجتماعي ما يجعل من الصعب امتهانها أو العمل بها.
إننا بحاجة إلى صياغة استراتيجيات شاملة لتغيير الأفكار والصور النمطية التي تلعب دورا ولو محدودا في تغذية ملف البطالة بحيث نسهم في تأهيل شبابنا للتأقلم مع متغيرات سوق العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية