في الفكر السياسي العربي الحالي يوجد خلط بين الأفكار الأساسية الثابتة إلى حدِّ ما وبين وسائل تطبيقها في الواقع المتغير إلى حدِّ كبير مع مرور الزمن وتبدُّّّّّّّل الأحوال. من أجل توضيح ما نعنيه, دعنا نأخذ مثال الثورات الكبرى التي مرت على المجتمعات الإنسانية عبر القرون من تاريخها. فالثورة الأولى تمثلت في انتقال الإنسان لتوفير معيشته من مرحلة الصّيد إلى مرحلة زرع الأرض. والثورة الثانية تمثلت في الثورة الصناعية المعروفة. أما الثورة الثالثة فهي التي يعيشها العالم اليوم وتعرف بالثورة المعرفية. إن الفكرة الأساسية وراء الثورات الثلاث هي فكرة توليد الثروة وزيادتها من أجل فائدة الإنسان ورفاهيته.
الفكرة الأساسية لم تتغيّر والإنسان عبر تاريخه كله ظلّّّّّّّّّ ينشد إنتاج الثروة وزيادتها. الذي تغيّر عبر العصور هي وسائل إنتاج الثروة التي تبدّلت بسبب التطورات العلمية والتكنولوجية والتحولات الكبرى السياسية والاجتماعية والثقافية التي رافقتها.
لعلنا في تعاملنا مع الأفكار السياسية في هذه الفترة نتعلَّم ممّا سبق ذكره, ولنأخذ كمثال على ذلك روح وجوهر الفكر القومي العربي المتمثّّّّل في شعار وهدف الوحدة العربية. فالتعامل مع هذا الهدف في الخمسينيات من القرن الماضي لا يمكن أن يبقى بنفس الصورة والمستوى في أيامنا هذه, ذلك أن الظروف المحلية والإقليمية والدولية قد تغيّرت. فمثلاً كانت هناك فكرة القطر العربي القائد الذي لابدّ من وجوده ليقود كل الأقطار العربية الأخرى نحو الوحدة الشاملة. إن تلك الوسيلة التي نبعت من الاقتداء بتجربة توحيد ألمانيا من خلال وجود قطر بروسيا القوي الذي قاد حركة توحيد ألمانيا المجزّأة لم تعد ممكنة ولا حتى ضرورية، وذلك لأسباب كثيرة لا يمكن الخوض فيها. إن الذي يجب أن يحلّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ محلها، والذي يلائم ظروف العصر الحالية، هي فكرة توحيد الأمة عن طريق النضال من أجل الديمقراطية في كل الأقطار العربية. فالوحدة التي ستتحقق بالوسائل الديمقراطية وبالتراضي هي الوحدة التي ستكون ثابتة غير معرضة للأخطار، وهي الوحدة التي لن تستطيع القوى الصهيونية أو الاستعمارية التآمر عليها وإفشالها.
وينطبق الأمر نفسه على وسيلة سابقة كانت ترى في توحيد النضال الشعبي العربي الوسيلة الوحيدة الفاجعة لتحقيق الوحدة, ذلك أن التوحيد الاقتصادي قد أثبتت الأيام، كما في التجربة الأوروبية مثلاً أهميته الكبرى, وأصبح إعطاء الاقتصاد وزناً كبيراً في نضالنا المشترك للتوجه نحو الوحدة أمراً بالغ الأهمية. إذن نحن أمام حاجة ملحّة للاتفاق على أمرين أساسيين: الأول, هو أن كون وسائل تحقيق الوحدة تحتاج إلى أن تتلاءم مع الظروف المستجدّة في حياة العرب والعالم لا يعني على الإطلاق التنازل عن الفكرة الأساسية: فكرة الوحدة العربية. والثاني, هو أن تبدّل الظروف تلك يستدعي حتماً إجراء مراجعة عميقة وشاملة للوسائل التي سنستعملها لتحقيق الوحدة في الواقع.
إن مناسبة طرح الموضوع البديهي هذا هو التيّار الغريب الذي يبنيه البعض من أجل تقويض الأفكار الأساسية في حياتنا السياسية العربية بسبب الحاجة لتغيير وسائلنا لملاءمة العصر والظروف. فهذا التيّار يصُّر على أن فشل الوسائل التي استعملت في الخمسينيات والستيينيات من القرن الماضي لتحقيق الوحدة الشاملة أو الجزئية يجب أن يعني التخلّي النهائي عن فكرة قومية أساسية من مثل الوحدة العربية.
إنهم يخلطون بصورة مفجعة بين الأفكار والوسائل. إن أهمية هذه الفوضى الفكرية أنها بدأت تنتشر لتشمل التخلي عن الاستقلال الوطني وقبول الاستعمار بسبب فشل أساليب مقاومته السابقة، لتشمل التخلّّّّّّّّّّّّّّّّّي عن الذاتية الثقافية بسبب فشل أساليب تحديثها، بل لتشمل كل ثوابت الأمة بسبب القصور في أساليب التعامل معها. هذا تيار خطر يجب مقاومته.