في مواجهة الإعلان عن نوايا الإصلاح التي عبر عنها خطاب رئيس البلاد الجديد عام 2000، وكرد عليها، أطلقت المعارضة السورية منذ بداية عام 2000 شعار الحوار الوطني. وكان الهدف من هذا الشعار تطمين القوى الحاكمة أو الكثير منها على مواقعها بهدف الوصول إلى مصالحة وطنية تطوي صفحة الماضي الأليم لتبدأ صفحة جديدة على أسس مختلفة. وقد عبرت سياسة اليد الممدودة التي يمثلها هذا الشعار عن إيجابية المعارضة السورية تجاه العهد الجديد واستجابتها لما أظهره من رغبة إصلاحية واستعدادها لتجاوز ما تحملته في الماضي من أجل نقل سوريا من دون عنف نحو الحالة الطبيعية.
ولم تكن المعارضة مخطئة في ذلك فقد كان هناك العديد من العوامل التي تسمح بمثل هذا الانفتاح وتجعله احتمالا واردا كما تجعل من رفضه خطأ يمكن أن يقود إلى إجهاض احتمال التغيير السلمي, ومن وراء ذلك إلى تشجيع خيار العودة إلى العنف الذي لفظه المجتمع السوري منذ فترة طويلة بعد كارثة أحداث 1980. ولم يكن من المستغرب إذن أن تكون فكرة الحوار الوطني، عبر مؤتمر أو من دونه، هي الفكرة التي طغت على كل شعارات القوى السياسية السورية وفكرها خلال السنتين الأوليين من عمر العهد الجديد.
لكن بعد مرور خمس سنوات اختبرت خلالها المعارضة حقيقة النوايا الرسمية ودفعت فيها بعشرات المعتقلين إلى السجن اختلفت الأوضاع كثيرا. فلم يعد التمسك بهذا الشعار يعكس في نظر الرأي العام إبراز تصميم المعارضة على تجنيب البلاد مخاطر المواجهة العنيفة التي يمكن أن تقود إلى زعزعة الاستقرار وتعريض البلاد لهزات هي في غنى عنها، وإنما أصبح يشير بشكل أكبر إلى إخفاق هذه المعارضة في تحقيق أي إنجاز وإلى دورانها في حلقة مفرغة وافتقارها لأي استراتيجية عملية لخوض معركة الديمقراطية التي تنادي بها, سوى النقيق على النظام واستنفار مشاعره الوطنية.
والواقع أن المعارضة السورية تعاني من الأمراض نفسها التي يعاني منها النظام. فهي مثله لا تزال تعيش في عالم آخر ينتمي هو أيضا إلى مناخ حقبة الحرب الباردة. وقد أخفقت مثله أيضا في فهم مغزى التحولات الكبيرة التي حصلت على الصعيد الجيوسياسي والجيوثقافي كما أخفقت في استيعاب دروسها للانتقال بوسائل التفكير والعمل والممارسة إلى آفاق وأنماط جديدة تتفق ومشاعر الجمهور العربي الراهن ومتطلباته وأساليب عمله وتفكيره. ومن هنا فهي لا تزال تستخدم، مثل النظام الذي تخضع له أيضا، أساليب عمل بالية وتحلم ببناء الأحزاب على الطريقة القديمة وتتخبط بسبب ذلك في مشاكل الانقسام الفكري والتنظيمي. وهذا ما يفسر ما تعيشه من انعدام التفاهم ونقص القدرة على المبادرة والتخبط في الخيارات المتاحة أو عدم الوضوح فيها كما يفسر ما يحيق بها من فشل وما تعاني منه من عزلة مستمرة عن الرأي العام ومن الانفصال عن جمهورها الواسع.
لقد كان من الصعب فعلا على المعارضة أن تنجح في استقطاب الجمهور ونيل ثقته بينما لا تظهر هي نفسها أي قدرة على شق طريق آخر غير العمل مع النظام وعليه في سبيل تحقيق التغيير المنشود. فلا يعني هذا الإصرار على العمل من داخل النظام ومعه سوى اعتراف المعارضة بصورة غير مباشرة بانعدام الخيارات البديلة عندها واستخدامها شعارات الحوار المكرورة للتغطية على هذا الفراغ. ومن الطبيعي ألا يقود مثل هذا الموقف إلى شيء آخر سوى تعزيز شعور الرأي العام، لكن أيضا أنصار النظام، بهامشية المعارضة من جهة وبمركزية السلطة وتفوقها الساحق من جهة ثانية. لقد حكمت المعارضة على نفسها بأن تظل رهينة العلاقة الثنائية التي تربطها بالنظام وألا تستطيع الخروج من الشرنقة التي وضعت نفسها فيها، أي من العزلة العميقة وربما المتزايدة التي تميز علاقتها مع جمهورها الذي ينتظر قيادة حقيقية لبدء مسيرة التحولات الديمقراطية الفعلية. فمما لا شك فيه أن الاستخدام المستمر لهذا الشعار خلال السنين الخمس الماضية من دون أي مردود بل ولا وعد من قبل النظام بقبول هذه الفكرة قد قضى على صدقية المعارضة بقدر ما أظهرها أمام الرأي العام وكأنها تركض وراء سراب دون ماء، في الوقت نفسه الذي جعل من المراهنة على النظام، بالرغم من كل ما أدت إليه سياساته على المستوى الوطني والاقتصادي والاجتماعي والإنساني، الأفق الوحيد المفتوح كما لو لم يكن هناك بديل آخر سوى النظام لكن مع التعديل والانفتاح. وبالإجمال، بقدر ما أبرز هذا الموقف عدم نضج المعارضة وطفولية تفكيرها وبيَّن كمْ هي عاجزة عن بناء استراتيجية تغيير مستقلة عن السلطة وكمْ هي مفتقرة لمشروع خاص بها يميزها عن مشروع النظام القائم، ساهم في تعزيز استراتيجية السلطة القائمة على كسب الوقت.
إن مؤتمر الحوار الوطني بالمعنى الذي تطرحه المعارضة منذ خمس سنوات، أي كإطار للتفاهم بين قوى المعارضة والنظام القائم، يمثل في نظري هدية لا تقدر بثمن للحكم القائم. وغطرسة السلطة وحدها هي التي منعت أصحابه إلى الآن من تلقفه. ولو حظيت بقدر أفضل من الذكاء لقفزت عليه بأقصى السرعة في سبيل توريط المعارضة في حوار ل