كان لينين حاضرا مع الأعلام الحمراء والبزات العسكرية. عاد ستالين كذلك, ورفعت أعلام الاتحاد السوفييتي والجيش الأحمر. كل أشباح الماضي كانت حاضرة لتخلص الحاضر من آثامها. هتلر والنازية والحروب والمذابح. لم تكن حدثاً عارضاً في تاريخ أوروبا والعالم, بل مفصلا في تحديد ملامح النصف الثاني من القرن العشرين. ستون عاما مضت على هزيمة النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية، استعادت الساحة الحمراء أمجاد الجمهورية السوفيتية في احتفالات حضرها زهاء 60 من زعماء العالم، على رأسهم الرئيس الأميركي جورج بوش في العاصمة الروسية موسكو لتكريم التضحيات التي قدمها الشعب السوفيتي أثناء الحرب العالمية الثانية. ألمانيا المتصالحة مع ماضيها اعتذرت على لسان مستشارها غيرهارد شرودر من الشعب الروسي عما ارتكبه نظام هتلر النازي في حقه ودعاه إلى أن يصفح عن الماضي، إذ خسرت روسيا 30 مليوناً من مواطنيها في الحرب.
كانت الحرب العالمية الثانية زلزالا بالغ الشدة واسع المدى أحدث تغييرات في كل ركن من أركان العالم، مما جعلها حقا خطا فاصلا في تاريخ البشرية بين حقبة ما كان قبلها وحقبة ما جاء بعدها. شكلت بداية عصر جديد كانت الثنائية القطبية أبرز ملامحه بعد أن غابت شمس الإمبراطورية البريطانية بينما كانت فرنسا تتعافى من احتلالها ولم يبقَ على الساحة الدولية إلا حلفاء الحرب, الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ليتحول الحلفاء إلى أعداء وليطرز الجدار الحديدي القارة الأوروبية فاصلا شرقها عن غربها. عقائديا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا تجسد هذا الفصل بجدار برلين فاصلا بين شرق وغرب.
كانت الاشتراكية بكل ألقها تضاد عقائديا الرأسمالية بكل عنفوانها. لم تكن أوروبا المصابة مهيأة لحروب القطبين المتصارعين, فكان العالم الثالث من دول أميركا اللاتينية، أفريقيا، وآسيا مسرحا رئيسيا لفصولها. صراعات الحرب الباردة, التنافس على مراكز النفوذ نشبت خلالها العديد من الصراعات الإقليمية التي تناطحت القوتان من خلالها بالوكالة. حروب عبثية، انقلابات دموية، أحجار الدومينو المتساقطة، سباق الرعب النووي، وفي نهاية المطاف كان لابد أن يصل أحد الطرفين لنهاية الدرب ولم يعد أمامه إلا الدخول في مساومات الوفاق. وبدأ الاتحاد السوفييتي بسلسلة واسعة من عمليات فك الاشتباك تمثلت بتصفية بؤر التوتر الناجم عن الصراعات بالوكالة, فجاءت "البيروسترويكا" و"الجلاسنوست" عمليتا إصلاح قادهما آخر الرؤساء السوفييت ميخائيل جورباتشوف هوت على أثرهما الجمهوريات السوفيتية أشلاء, وقبلها انهار الستار الحديدي وسقطت رموز الديكتاتورية في عواصم أوروبا الشرقية من تلقاء نفسها، فكانت فوضى الانهيار التي لم تستمر طويلا. استعادت الشعوب سيطرتها على زمام الأمور لكن من الواضح أن تأثيرات العقود السوفيتية يصعب تجاوزها في بضع سنين, ودول أوروبا الشرقية مازالت تتعافى.
إذا كان عيد النصر على النازية المناسبة الوحيدة التي تجمع عليها كل الشعوب السوفيتية السابقة، فإن المرحلة اللاحقة مازالت ترمي بظلالها على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي انضوت تحت لواء رابطة الدول المستقلة، فكان الرئيس الروسي حريصا على التركيز على المصالح والأهداف المشتركة والإرث التاريخي الكبير الذي يشترك فيه كل مواطني دول الرابطة.
يحق لروسيا أن تحتفل بأمجاد الماضي، أن تلملم أشلاء الحاضر وأحلام الإمبراطورية الحمراء، لكن أمجاد الماضي طوتها صفحات التاريخ إلى واقع مرير، اقتصاد يتخبط وشعوب اكتشفت أن تأمين الغذاء والدواء أفضل من الحريات والتعبير عن الرأي. آخر احتفالات القارة الأوروبية بالانتصار على النازية كانت مناسبة لتذكر التاريخ قبل أن تكون مناسبة للاحتفال. مضت ستون عاما لكن لازالت روسيا بحاجة لأن تجابه ماضيها بلا رتوش كمرآة حقيقية لحاضرها ومستقبلها.