نحن الآن في مدينة فيينا، وقد لاحظت أن منحوتات وتماثيل الأبطال الملكيين قد سيِّجت وضربت حولها تحصينات من القرميد، كانت قد شيدت بقصد حمايتها من القصف الجوي لجيوش الحلفاء، وكانت الحرب العالمية الثانية توشك على نهايتها وقتئذ. وتختفي وراء تلك التحصينات القرميدية آنفة الذكر، تماثيل كل من الأمير يوجين - بطل الحروب الوطنية النمساوية ضد الأتراك- والأرشيدوق كارل الإمبراطور النمساوي يوم كانت الإمبراطورية النمساوية في أوج عظمتها ونفوذها في القارتين الأوروبية والأميركية. يذكر أن أدولف هتلر كان قد أعلن ضم الإمبراطورية النمساوية إلى الرايخ الألماني في مارس من عام 1938 من تلك الشرفة.
هذا ومن المقرر أن تبقى هذه التحصينات الفنية الزائفة، مكانها حتى حلول موسم صيف هذا العام. كما تقرر أيضاً أن تتواصل العروض الصوتية المرئية في كل من "ستافينزبلاز" - وهو موقع كاتدرائية القديس ستيفن- و"ألبيرتنا بلاتز" المجاور لدار الأوبرا النمساوية، وكذلك عروض "نيوماركت" التي بدأت في مارس الماضي، كي تصادف جميعها ذكرى القصف الجوي لجيوش الحلفاء الذي بدأ في الثاني عشر من مارس 1945 فوق سماء النمسا، بعيد مدة وجيزة من وصول قوات الجيش الأحمر السوفييتي، وقبيل استسلام النازية هناك بثمانية أسابيع.
ومما لا ريب فيه أن ذكريات ذلك القصف ستظل محفورة في وجدان وذاكرة النمساويين. وقد كانت الأهداف العسكرية الرسمية للقصف الجوي هي منشآت تصفية النفط والنقل والمواصلات. والمعلوم أن معظم هذه المنشآت كانت تقع في ضواحي العاصمة فيينا، وليس في قلبها. بيد أن القصف استهدف دار الأوبرا والمواقع والرموز الثقافية والفنية الرئيسية في المدينة. وكانت الهجمات الجوية على فيينا قد أعقبت بوقت قصير الدمار الذي ألحقته قوات الطيران البريطانية والأميركية بمدينة "درسدن" في شهر فبراير من عام 1945. ومما يعرف عن "درسدن" أنها مقر لأهم المواقع والرموز الثقافية الألمانية، وقد تحول معظمها إلى رماد وحطام جراء كرات اللهب والعواصف النارية المتعمدة التي أشعلتها في سمائها وأرضها قوات التحالف الجوية.
وفي اللحظات نفسها التي كانت تحترق فيها المنشآت الثقافية النمساوية، كان يحتدم الجدل والحوار في العاصمة البريطانية لندن، حول السياسات الخاصة بالقصف الجوي. فإثر الدمار الذي لحق بمدينة "درسدن" الثقافية الألمانية، أمر وينستون تشرشل قائد القوات الجوية البريطانية بتبني سياسات جديدة لقصف مدن العدو النازي. وكان الهدف الرئيسي وراء السياسات الجديدة، هو تكثيف الرعب ومشاعر الخوف في نفوس العدو، على الرغم من التوجيه بتحقيق هذا الهدف تحت ذرائع ودوافع أخرى. بيد أن قائد قوات القصف الجوي سير آرثر هاريس، رأى في هذه التوجيهات الجديدة قصفاً وتعدياً قيادياً على السياسات الرسمية السائدة والمتبعة من قبل. كما رأى فيه محاولة من قبل وينستون تشرشل لإبعاد المسؤولية عنه.
وبصفته مصدراً لتلك السياسات الجديدة، فقد كان رد تشرشل على قيادة القوات الجوية كما يلي: لقد ظللت على تمسكي دائماً بأن التدمير المطرد والزعزعة المستمرة للقوات العسكرية الألمانية، وكذلك المنشآت والنظم الاقتصادية والصناعية الألمانية، لا يمكن تحقيقهما إلا عبر الإزالة التامة للمدن الصناعية الألمانية. كما أعلن تشرشل رفضه حجة التقيد في تنفيذ عمليات القصف والهجوم الجوي بالأهداف العسكرية وحدها - بما فيها مرافق الاتصالات والمنشآت النفطية- شريطة أن تكون هذه المرافق والمنشآت في نطاق المعركة وميدان القتال الحربي.
يذكر أن ملايين الأطنان من القنابل كانت قد أسقطت على كل من ألمانيا والنمسا قبل نهاية الحرب. ومع نهاية تلك الحرب، كان قد جرى تشريد نحو 7.5 مليون ألماني ونمساوي من ديارهم ومنازلهم، بينما بلغ عدد الضحايا والقتلى المدنيين في البلدين حوالي 600 ألف، جراء عمليات القصف الجوي تلك. غير أن جرائم النازية التي أردت من الضحايا عشرة أمثال الرقم المذكور أعلاه, أخرست أية تساؤلات عن الجرائم الناجمة عن قصف جيوش الحلفاء، بما في ذلك الصمت الذي ساد الدول المكتوية بنيران وجحيم تلك العمليات، مثل النمسا.
وبالنسبة للضحايا أنفسهم، فإن تلك الأهوال لم تكن يوماً تجربة قابلة للتأويل العام. ذلك هو ما كتبه الكاتب الألماني "دبليو. جي سيبالد "عام 1999. ومضى "سيبالد" إلى القول إن ما جرى من إعادة إعمار خرافي ومثير للإعجاب لتلك الدول التي دمرتها النازية وجيوش الحلفاء، يضاهي من جانب آخر تصفية ثانية واستئصالا لماضي حضارات تلك الشعوب والبلدان، على مراحل مختلفة. والملاحظ أن هذه العملية تحول دون إعادة النظر إلى هول ما جرى في الماضي. بيد أن إعادة النظر هذه أصبحت ممكنة الآن، مع محو الذاكرة الجماعية، وبروزها مجدداً من حيث كانت ترقد وتكمن. وضمن هذا الصحو، فقد بدأت تظهر صور في الكتب والمطبوعات النمساوية الأخيرة، لم يسبق لها أن نشرت من قبل مطلقاً. كما بدأت مناقشة الأمر من قبل المؤرخين والكتاب الروائيين والمثقفين والمفكرين ال