إذا كان ابن رشد لا يترك فرصة، خلال عرضه لآراء أفلاطون في كتاب "الجمهورية"، دون الإشارة إلى ما يؤيدها من تاريخ الأقطار الإسلامية، وإذا كان يسهب، بصفة خاصة، في تشريح نظام الحكم الاستبدادي الذي يكون على رأسه الطاغية "وحداني التسلط"، منبها غير ما مرة إلى أنه هو الحكم السائد زمن تأليفه لكتابه "الضروري في السياسة" (انظر المقال السابق)، فإنه لم يفته أن ينبه، عندما كان بصدد شرح كتاب "الخطابة" لأرسطو، إلى أن نظم الحكم التي ذكرها هذا الأخير -وهي نفسها التي درسها أفلاطون- لا توجد بسيطة إلا على صعيد التحليل؛ أما على أرض الواقع فهي في الغالب مركبة. يقول: "وينبغي أن تعلم أن هذه السياسات التي ذكرها أرسطو ليست تُلْفَى بسيطة وإنما تلفى أكثر ذلك مركبة، كالحال في السياسة الموجودة الآن (زمن الموحدين في المغرب والأندلس)، لأنها إذا تؤملت توجد مركبة من فضيلة (حكومة أخيار) وكرامة (حكومة الطموحات وطلب المجد) وحرية (حكومة الشعب: الدهماء) وتغَلُّب (حكومة وحداني التسلط: الاستبداد)".
لنسجل إذن هذه الشهادة التي يقدمها لنا ابن رشد، فهي ما يهمنا من هذا الاستطراد نحو أفلاطون وأرسطو في القضية التي نتحرك في إطارها، قضية الإصلاح. إنها شهادة تؤكد أن نظام الحكم في المغرب -على عهد ابن رشد على الأقل- كان مزيجا من الملكية والأرستقراطية والتيموقراطية والديمقراطية والطغيان. ومع أن فكرة "الدولة المركبة" كانت معروفة منذ اليونان، على الأقل عند أفلاطون وأرسطو، وقد أشار إليها ابن سينا كذلك، فإن ما يميز وجهة نظر ابن رشد هو فهمه لفكرة التركيب من جهة، و"النموذج العلمي" الذي يستوحيه من جهة أخرى، كما سنرى لاحقا.
وإذن فسؤالنا الأول : "من أين نريد الانتقال إلى الديمقراطية؟"، في المغرب على الأقل، يجد جوابه ماضيا وحاضرا في مفهوم "الدولة المركبة" كما دلنا على ذلك ابن رشد. فلنتعرف عن كثب على طبيعة هذه الدولة ولنطلب شهادة ابن خلدون، الذي عاش بعد ابن رشد بنحو قرنين من الزمان. ومعلوم أنه إذا اتفق المؤرخ والفيلسوف على شيء، فذلك دليل على أن ذلك الشيء من الحقائق التي لا غبار عليها.
لقد اهتم ابن خلدون بالفلسفة السياسية ولكنه لم يجد فيها بغيته كمؤرخ يبحث عن "معيار صحيح" تُرجَع إليه الأخبار عن الواقعات للتمييز فيها بين الصادق والكاذب، بين ما تقبله "طبائع العمران" وما لا تقبله. ولذلك قرر أن ينشئ هذا "المعيار"، فابتكره ابتكارا وسماه "علم العمران"، وموضوعه دراسة "العمران البشري" كما هو في الواقع وليس كما ينبغي أن يكون.
لم يكن ابن خلدون من دعاة الإصلاح وإنما كان يرى أن "للعمران طبائع في أحواله"، بمعنى أن التغيير، إذا حدث في المجتمع والسياسة، فهو يحدث بفعل "قوانين" (ويسميها طبائع) ونمط من التطور لا فكاك منهما. وهذا يعني أن التاريخ في نظره لا يسير وفق رغبات الناس، وإنما يسير وفق مسلسل من الأحداث تتحكم فيها عوامل موضوعية مستقلة عن إرادة البشر. وفي مقدمة هذه العوامل: "العصبية"، أي القوة القبلية. فهي التي كانت صانعة الأحداث في عصره والمحركة للتاريخ العربي الإسلامي عموما. وحركة التاريخ –الذي تحركه العصبية- تتم في نظره على الشكل التالي: العصبية "تجري نحو غاية هي المُلك"، والملك ينتهي إلى الترف والانفراد بالمجد، وهذان ينتهيان به إلى الهرم ولابد، فتسقط الدولة تحت ضربات عصبية جديدة مُطالبة (بالحكم)، فتبدأ دورة جديدة تلاقي هي الأخرى نفس المصير، وهكذا.
لقد أعرض ابن خلدون، إذن، عن فكرة "المدينة الفاضلة" التي قال بها الفلاسفة، لكونها كما يقول: "نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير". إن "المدن" أو الدول –والمعنى واحد- إنما تنشأ في نظره بالعصبية. أما "السياسات" التي تتبعها الدول فهي عنده أساليب في الحكم والتسيير، وليست وسيلة للحصول على الحكم أو لإنشاء ممالك ودول.
والسياسات التي عرفها التاريخ الواقعي، والتي يسوس الحكام الناس بمقتضاها، هي في نظره صنفان: صنف يستند "إلى شرع من الله يوجب انقيادَهم إليه إيمانُهم بالثواب والعقاب عليه، الذي جاء به مبلغه" (الرسول)، وصنف يستند إلى "سياسة عقلية يوجب انقيادَهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم". وهذه، يعني أن السياسة العقلية، هي –في نظر ابن خلدون- على وجهين: "أحدهما يُراعَى فيها المصالحُ على العموم ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص، وهذه كانت سياسة الفرس وهي على جهة الحِكمة… الوجه الثاني أن يُراعَى فيها مصلحةُ السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة وتكون المصالح العامة في هذه تبعا". ويضيف ابن خلدون قائلا: "وهذه السياسة (العقلية) التي يُحمل عليها أهل الاجتماع هي لسائر الملوك في العالم من مسلم وكافر، إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم، فقوانينها إذن مجتمعة من أحكام شرعية، وآداب خلقية، وقوانين في الاجتماع طبيعية، وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ض