قبل بدء الحرب على نظام صدام حسين، خرجت تحليلات عديدة لكتاب ومحللين عرب تخلص إلى القول بأن هدف الولايات المتحدة الأميركية من شن الحرب على صدام هو السيطرة على النفط العراقي والتحكم في أسعار النفط الدولية. والحقيقة أن هذا القول كان ينقصه الكثير من الدقة والتعمق في التفكير، ويغلفه الكثير من السذاجة والسطحية.
فهذا التحليل ينسى أن الولايات المتحدة وفي ظل وجود نظام صدام حسين، كانت تستورد الحصة الأكبر من نفط العراق، وأن العراق كان ثاني أكبر مصدر للنفط العربي لأميركا بعد السعودية. أضف إلى ذلك أن أسعار النفط كانت قبل حرب إسقاط نظام صدام تتراوح ما بين 18 إلى 22 دولارا للبرميل. أما أسعار النفط اليوم وبعد أكثر من عامين على سقوط نظام صدام، فإنها ارتفعت إلى أكثر من 50 دولارا للبرميل الواحد، أي ضعف السعر الذي توقعته تلك التحليلات التي قالت بأن أميركا تريد السيطرة على نفط العراق لضرب أسعارها.
تحليل آخر كان دارجا على ألسنة الكثير من المحللين العرب قبل الحرب على النظام البعثي الذي كان يحكم في العراق، وهو أن الهدف الأميركي من الحرب هو ضرب منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" وإلغاء سيطرتها على سوق النفط. ولكن المتطلع اليوم إلى ما آلت إليه الأمور، يدرك أن "أوبك" قويت شوكتها بعد إسقاط نظام صدام، وأن الغرب بأكمله يتودد للأعضاء الرئيسيين في المنظمة ويحاول كسب رضاهم من أجل المساعدة على زيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار.
اختصار القول إن التحليلات السابقة لم تصدق. فلا الأسعار انخفضت، ولا "أوبك" فقدت السيطرة على السوق بعد انتهاء الحرب على نظام صدام لصالح الولايات المتحدة. بل حدث العكس تماما. فسعر برميل النفط قفز إلى أكثر من الضعف، و"أوبك" تعيش اليوم أحلى أيامها وهي في قمة العنفوان والقوة والقدرة على تحريك مجريات الأمور.
ما لم يدركه أولئك المحللون أن الولايات المتحدة لم تشن الحرب على العراق فقط من أجل النفط، ربما كان النفط أحد الأسباب، ولكنه قطعا لم يكن السبب الرئيسي. فقد كانت أميركا تحصل على نفط العراق دون الحاجة لشن الحرب، بل كان صدام مستعدا لأن يسلم مفاتيح العراق لأميركا دون قتال لو وافقت الإدارة الأميركية على التعامل معه مباشرة. ثم إذا كانت أميركا تسعى إلى الحرب من أجل السيطرة على منابع النفط في المنطقة، فلماذا لم تشن حروبا أخرى لاحتلال مناطق استخراج النفط والغاز في السعودية وقطر وإيران مثلا لتحقيق نفس الغرض؟! إذا كان للنفط دور في الحرب الأميركية – البريطانية على نظام صدام، فإن هذا الدور ينحصر فقط في نقطتين أساسيتين هما:
النقطة الأولى: ضمان حماية المناطق التي تنتج وتصدر النفط إلى العالم الصناعي المتقدم وعدم السماح لهذه المناطق بالوقوع في براثن الفوضى السياسية التي قد تؤدي إلى الصراعات العسكرية كما حدث في أفريقيا والشرق الوسط.
أما الثانية فهي: مساعدة الدول المنتجة والمصدرة للنفط على تحديث منشآتها النفطية وقدراتها على الاستمرار في أعمال التنقيب والتصدير والبحث عن حقول جديدة.
الولايات المتحدة تستهلك اليوم 2.8 مليون برميل يوميا، وإذا لم تضمن سلامة المناطق المنتجة والمصدرة، ولم تساعد الدول المصدرة على تحديث منشآتها، فإنها لن تستطيع ملاحقة الطلبات المتزايدة على الاستهلاك مستقبلا. هذا هو السبب الحقيقي أيها المحللون.