بعيداً عن أجواء إعلامنا الرسمي وشبه الرسمي يدور حوار حي ونابض في كافة اللقاءات والتجمعات الاجتماعية، حول طبيعة النمو المذهل الذي تشهده الدولة خلال هذه الفترة. وتتردد العديد من الأسئلة بعضها يحمل يقينية متشائمة أو أخرى متفائلة، والأكثر منها أسئلة مفتوحة حائرة تبحث عن الإجابات. فهل نحن نعيش فقاعة لابد وأن تنفجر؟ أم أن أسس وجذور النمو الحالي صلبة، وبالتالي لن نشهد هبوطاً حاداً لقطاعات اقتصادية معينة كالقطاع العقاري أو قطاع الأسهم أو غيرهما من القطاعات؟ وماذا عن مكونات هذا النمو ومن المستفيدين منه؟ هل هم فريق صغير من كبار موظفي الحكومة والذين شكلوا "مراكز قوى" من خلال هذه المشاريع الكبيرة وخلطوا بين القطاع العام والقطاع الخاص؟ أم أن الفائدة أعم وأشمل وتضم فيمن تضم شريحة واسعة من المواطنين والذين كونوا ثروات محترمة من الحراك الذي يشهده قطاع العقار والأسهم؟ وإذا كان هذا الواقع ماذا عن تكرار أسماء المؤسسين في كل اكتتاب عام جديد؟ وألا يعتبر القطاع الخاص غير المواطن المستفيد الأكبر من الانفتاح المتوقع في الفترة القادمة وخاصة أنه يتمتع بالأغلبية العددية؟ وألا يمثل العديد من الموظفين العامين الواجهة المواطنة للعديد من هؤلاء؟
أسئلة عديدة وحائرة تتكرر صباحاً ومساء وفي العديد من اللقاءات. أسئلة صريحة وقلقة ولكنها لا تظهر بالضرورة في إعلامنا الرسمي وصفحاته الاقتصادية والمعنية معظم الوقت بالمادة الإعلانية و"بروشورات" المشاريع الجديدة. ومن هذا المنطلق أربط بين حديثنا اليوم ومقال الأسبوع الماضي الذي أشرت فيه إلى ضرورة تبني الشفافية في المرحلة القادمة، وهي المرحلة التي نصبو فيها إلى العالمية، وبالتالي لابد من أن تكون مقاييسنا عالمية. ومن هذه الحقيقة لابد أن نجيب على العديد من الأسئلة المطلوبة وبطريقة أكثر علمية تعتمد على الأرقام والتحليلات الكمية، فالحوار الدائر كما ذكرت حي ونابض ويثار في كل مكان إلا على صفحاتنا الاقتصادية.
اجتهادي الشخصي يقول إن المرحلة التي نعيشها ليست بالفقاعة الآنية، بل عبارة عن تحول كبير وجذري في اقتصاد الإمارات وانتقال من مرحلة إلى أخرى. ويدعم هذا الرأي كمية السيولة المتوفرة في الدولة وتوسع ونجاح العديد من المجالات الاقتصادية الجديدة وجذب الدولة لما يسمى الاستثمارات الخارجية المباشرة. كل هذه العوامل اجتمعت مع توجه حكومي تقليدي يعين القطاع الخاص ويشجعه. فنحن لسنا أمام فقاعة بل تحول بنيوي حقيقي فيه العديد من الجوانب الإيجابية ويحمل معه العديد من التحديات الصعبة، ولكن ذلك بطبيعة الحال لا يعني أننا سنخالف قوانين العرض والطلب والمد والجزر، الذي هو جزء رئيسي في الحركة الاقتصادية، وبالتالي سيشهد اقتصادنا تصحيحات قطاعية بين الفترة والأخرى. فالحراك بين المد والجزر حتمي ولكن يبقى هذا التحليل بعيداً كل البعد عن تحليل الفقاعة.
أما السؤال الأهم، أو الأسئلة الأهم، من وجهة نظري المتواضعة، فتتعلق بدرجة واستفادة القطاع الخاص المواطن من الحركة الحالية. أي هل نما وتوسع القطاع الخاص المواطن بنفس نسبة النمو الذي شهده الاقتصاد الوطني لدولة الإمارات في هذه الفترة؟
أشك في ذلك، وأعتقد أن النمو الأكبر كان من نصيب العديد من الشركات الحكومية أو "شبه الحكومية" والتي باتت تنافس القطاع الخاص منافسة حقيقية وبالتالي نرى أن الهرم الاقتصادي في العديد من الجوانب يشمل الحكومة من خلال هذا التواجد الضخم, ويليه القطاع الخاص غير المواطن, ثم القطاع الخاص المواطن. وبطبيعة الحال في نظام يتبنى مبدأ الاقتصاد الحر والأسواق المفتوحة لا يمكن أن يستوي هذا المبدأ مع الوجود الكبير للحكومة والشركات الحكومية و"شبه الحكومية" ومع هيمنتها على العديد من القطاعات.
قراءتي هذه تبقى قراءة مقتضبة وقراءة جزئية وانطباعية، والسبب غياب الأرقام التي تدعم هذا الرأي أو ذاك الرأي، ويبقى أن هذا الاجتهاد جزء بسيط من حوار ونقاش صريح ومنتشر بين العديد من الشرائح والقطاعات المواطنة ولكنه للأسف لا يدور في وسائل إعلامنا.