خلال الأيام القليلة الماضية, كرر سيلفان شالوم, وزير الخارجية الإسرائيلية, الحديث مرتين عن مدى حاجة بلاده للتواصل مع جيرانها العرب. كانت المرة الأولى متزامنة مع زيارة رئيس الوزراء التركي, طيب رجب أردوجان, لإسرائيل في الأول من شهر مايو الجاري. أما المرة الثانية فكانت خلال الزيارة التي قام بها شالوم نفسه إلى شمال أفريقيا، حيث قضى بضع ساعات في جمهورية موريتانيا. وكان من رأي وزير الخارجية الإسرائيلي, أنه في وسع هاتين الدولتين –تركيا وموريتانيا- أن تجسرا الهوة الفاصلة بين إسرائيل والعالم العربي. فلأي مدى يعد شالوم صادقاً في هذه التصريحات؟ نثير السؤال وفي البال أن في وسع إسرائيل، أن تبدأ مثلاً بوضع حد لاحتلالها الدموي الوحشي للأراضي الفلسطينية, وإطلاق سراح نحو 10 آلاف سجين فلسطيني محتجزين في سجونها وأقبيتها, وإزالة تلك العصابة المؤلفة من عدد ضئيل من المستوطنين المتطرفين, الذين يحيلون حياة فلسطينيي الخليل إلى جحيم لا يطاق, إلى جانب إزالة ما يزيد على 700 محطة تفتيش تابعة للقوات الإسرائيلية في الضفة الغربية, مع العلم أن هذه المحطات تدمر الحياة الاقتصادية تماماً في أراضي الضفة, وأخيراً الاتفاق على بدء مفاوضات سلمية مع سوريا, تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من مرتفعات الجولان.
ومما لم يعد خافياً على أحد, أن العالم العربي بكامله, منح إسرائيل السلام وتطبيع العلاقات معها, في حال انسحابها إلى حدود ما قبل حرب عام 1967. وكان هذا العرض قد قدم بادئ ذي بدء, في القمة العربية المنعقدة في عام 2002, ثم تكرر تقديمه ثانية في قمة عربية أخرى, عقدت هذا العام. ولكن لم يعد خافياً أيضاً أن إسرائيل هي من رفض ذلك العرض. وبما أن السياسة التي تتبناها إسرائيل هي عدم العودة مطلقاً إلى حدود ما قبل حرب 1967, فقد واصلت زحفها وتوغلها أكثر فأكثر, إلى عمق الأراضي الفلسطينية, إلى جانب تبنيها سياسة توسيع المستوطنات, متحدية بذلك إرادة العالم بأسره, بما فيه حليفتها الرئيسية أميركا.
وليس أدل على هذا من ترفيع إرييل شارون الأسبوع الماضي, كلية من كليات التعليم الجامعي, إلى جامعة في مستوطنة إرييل المشددة الحراسة والإجراءات الأمنية, وكأن حاله يقول عبر ذلك الإجراء, إننا باقون هنا إلى أبد الآبدين! ولما كانت هذه هي الحقيقة وواقع الممارسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين, فما أصعب بناء الجسر الواصل بين تل أبيب والعالم العربي!
أما علاقات إسرائيل الحالية مع تركيا, فهي مما يمكن وصفه بـ "العلاقات الفاترة الباردة". وكما يذكر العالم فإنه وفي أواخر عقد التسعينيات, كانت أنقرة وتل أبيب قد شكلتا تحالفاً استراتيجياً معادياً لسوريا. وكان وقتها من مصلحة إسرائيل أن تبيع تركيا معداتها العسكرية, وأن تجد لها موطئ قدم في القواعد الجوية العسكرية التركية, الواقعة شرقي الأناضول, الغرض منها تنفيذ طلعات جوية استخباراتية فوق سماء كل من سوريا وإيران والعراق. أما مصلحة تركيا في ذلك التحالف الاستراتيجي, فكانت تكمن في إرغام سوريا عن الكف عن دعمها للحركة الثورية الكردية, وهي الحركة التي كانت تخوض حرب عصابات ضد تركيا وقتئذ. وفي تلك الفترة كان عبد الله أوجلان, قائد حزب العمال الكردستاني, يقيم في العاصمة السورية دمشق.
لكن وعلى إثر ذلك التحالف الاستراتيجي, طرأت تحولات دراماتيكية في الموقف برمته, إذ سرعان ما وضعت دمشق حداً لدعمها السابق لحزب العمال الكردستاني, وحثت الخطى نحو تحسين علاقاتها مع أنقرة. واليوم فإن العلاقات السورية-التركية, تعد الأفضل من نوعها على مستوى كافة العلاقات الإقليمية في المنطقة. وفي الوقت ذاته, فقد عجل صعود الإسلامي المعتدل أردوجان, إلى سدة الحكم في تركيا, بإشاعة فتور عام في العلاقات التركية-الإسرائيلية. ومن المعروف أن أغلبية كبيرة من الرأي العام التركي, تناصر الفلسطينيين في كفاحهم من أجل نيل حريتهم واستقلالهم, بينما تشجب العنف والقهر اللذين تمارسهما إسرائيل ضدهم. بل إن أردوجان نفسه, شجب السياسات الإسرائيلية المتبعة ضد الفلسطينيين, واصماً إياها بصفة "إرهاب الدولة".
كما يعرف عن عامة الجماهير التركية, عداؤها اللدود للولايات المتحدة الأميركية, مصحوباً بالطبع, برفضها الصارخ للحرب الأميركية الأخيرة على العراق. على نقيض ذلك تماماً, فعلت تل أبيب كل ما بوسعها, في سبيل إقناع الولايات المتحدة الأميركية بالإطاحة بنظام صدام حسين. ومما لا جدال فيه, أن الدمار الذي لحق بالعراق –سيما تدمير قوته العسكرية- قد صب في تحسين البيئة الأمنية لدولة إسرائيل, نظراً لإزالته أية مهددات أمنية عدوانية محتملة لإسرائيل, من قبل الجبهة الشرقية, كما تقول تل أبيب.
على خلفية هذه الحقائق مجتمعة, بادر أردوجان خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل –وهي أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء تركي لتل أبيب منذ عام 1994- إلى التصريح بأن في وسع بلاده لعب دور وساطة بين إسرائيل والدول العربية. وكما ورد على حد تعبيره: "لقد جئت هنا اليوم كي أسهم ف