في حديثه أمس مع صحيفة "الاتحاد"، كان سعادة سلطان الغيث، مدير عام هيئة المعاشات والتأمينات محقا حين انتقد "نظام التقاعد المبكر" للمواطنين، فالظاهرة تلفت الانتباه ولم تأخذ حقها من النقاش والنقد الموضوعي في الفعاليات والدوائر المعنية. وإذا كانت سلبيات هذا النظام تؤثر بشكل أساسي في فاعلية أنظمة المعاشات، فإنها تؤثر بشكل أقوى وأخطر في مستقبل المجتمع ككل، خصوصا أن معظم المتقاعدين على مشارف سن الأربعين أو تجاوزوه بقليل، وأن نسبتهم تصل إلى 67% من إجمالي عدد حالات التقاعد، مايعني أننا نفقد تقريبا أكثر من نصف القوى العاملة في منتصف الطريق، وفي سن يفترض فيها أنهم باتوا في مرحلة أنضج وأكثر خبرة وأهلية لتولي مناصب قيادية في مؤسساتهم ودوائرهم!.
الأساس في "نظام التقاعد المبكر" أنه يستهدف حماية حالات وظيفية معينة من المواطنين وضمان استقرارهم الاجتماعي في حال تعرضهم لظروف ما جعلت من الصعب استمرارهم في العمل، ولكن تحول "الاستثناء" إلى "قاعدة"، يعني بالضرورة أن هناك إساءة استخدام لهذا النظام سواء من جانب الدوائر الوظيفية أو من جانب الموظفين أنفسهم، فما يحدث ينطوي على نوايا غير حسنة في معظم الحالات، بحيث يتم في كثير من الأحيان تحويل "نظام التقاعد المبكر" إلى "سلة" لتجميع المغضوب عليهم والمرفوضين وظيفيا، مع الموظفين الراغبين في التفرغ الوظيفي لأسباب خاصة وغير ذلك، وهذا أمر يضر بالمجتمع ويستنزف القوى العاملة المواطنة ويضر أيضا بالحسابات الرياضية الاكتوارية التي تعد على أساسها أنظمة وقواعد وقوانين المعاشات وحصص الاستقطاع من الرواتب، والتي تعد وفقا لحسابات عمرية محددة يفترض أنها تؤدي إلى ضبط المركز المالي لصناديق المعاشات على المدى البعيد، خصوصا في ظل استمرار وتيرة الارتفاع في متوسطات الأعمار بالدولة كنتيجة طبيعية للتحسن المطرد في الخدمات الصحية. وإذا كانت هيئة المعاشات تتباهى بسخاء المزايا التأمينية في الدولة، وهذا صحيح، فقد يكون من المفيد إعادة تقييم بعض هذه المزايا ودراستها للحد من التسرب الوظيفي من بوابة التقاعد المبكر، إذ من غير المنطقي إتاحة خيار الخروج من الخدمة والحصول على معاش تقاعدي في سن 33 عاما من دون سبب طبي أو حتى اجتماعي مقبول! صحيح أن الأنظمة التأمينية الحديثة قائمة على حسابات تجارية بحتة، ولكن من الصعب ترك الأبواب مفتوحة والرهان فقط على الوعي العام في عدم إساءة استخدم هذه المزايا الفريدة، وإلا تحول معظم أفراد المجتمع إلى متقاعدين. أنظمة المعاشات هي بالأساس مظلة اجتماعية توفر لمشتركيها وأسرهم الأمن والاستقرار الصحي والاجتماعي، وليست بابا لاستنزاف الطاقات البشرية، التي هي نادرة بالأساس لدينا، ولذا ينبغي إغلاق أي ثغرات تشريعية في هذه الأنظمة تتسبب في لي ذراع القواعد وتغذية طابور العاطلين من دون عذر أو سبب منطقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية