إذا لم تبذل الولايات المتحدة الأميركية المزيد من الجهد لتعزيز اتفاق وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتنسيق الانسحاب من غزة، فإن الفرصة الضئيلة المتاحة حاليا والمتمثلة في وجود رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي يمتلك إمكانيات قيادية مهمة، بالإضافة إلى الخطة الإسرائيلية لفك الارتباط من غزة، سوف تذهب هباء وتذروها الرياح.
ذلك أن الهوة التي تفصل بين توقعات الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وتطلعاتهما، وحالة عدم الثقة السائدة بينهما تتطلب وجود طرف ثالث يقوم بدور الوساطة ويتأكد من عدم اندلاع أعمال العنف مجددا.
ومع ذلك يبقى الخبر الجيد هو ما شهدته الأشهر القليلة الماضية من انخفاض حاد في العمليات الإرهابية وأعمال العنف التي سيطرت على الشعبين خلال الأربع سنوات ونصف الأخيرة. فقد أدت التهدئة التي انتهجتها الفصائل الفلسطينية والمدعومة من قبل المصريين إلى تقلص مهم في الهجمات الانتحارية ضد إسرائيل وانخفاض معتبر في العمليات الإسرائيلية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.
لذلك فهناك حاجة ملحة لأن تقوم الولايات المتحدة بتعزيز وقف إطلاق النار ومراقبته، حتى لا يتكرر ما حصل في عام 2003 عندما انهار اتفاق لوقف إطلاق النار بسبب عدم الدقة في تحديد ما يشكل انتهاكا للاتفاق.
لهذا السبب يجب تمديد ولاية المبعوث الأمني الأميركي الفريق "ويليام إي. وورد" للسماح له بالتركيز ليس فقط على إعادة هيكلة القوات الأمنية، ولكن أيضا للعمل مع الإسرائيليين والفلسطينيين حول ما يشكل جوهر العمليات الأمنية اليومية مثل تقاسم المعلومات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب على الأرض, خصوصا بعدما أصبحت خيبة الأمل التي أصابت الفلسطينيين والإسرائيليين، بالإضافة إلى مسؤولين عرب أساسيين, واضحة, بسبب الطبيعة المحدودة لبعثته.
ومع ذلك لم يفت الأوان بعد. فبالرغم من الجهود الناجحة لعناصر الحرس القديم الفلسطيني في تأخير إعادة تنظيم الأمن، يظل عباس ماضيا في طريقه. فقد قام في الأسبوع المنصرم بإقالة قادة الأمن القدماء وعين محلهم مسؤولين محليين جدد أسندت إليهم مهمة تنظيم المرافق الأمنية للسلطة الفلسطينية وجعلها أكثر انسيابية.
ويمكن لهؤلاء المسؤولين الأمنيين أن يكونوا محاورين للجنرال "وورد" الذي يستطيع، بدوره، أن يلعب دورا أساسيا في التقريب بينهم وبين المصالح الأمنية الإسرائيلية والرفع من وتيرة التعاون المنتظم بينهما.
أما بدون هذا التعاون فيبقى احتمال انتشار اضطرابات محلية قائما. وكمثال على ذلك قام مؤخرا مسلحون من جنوب غزة، أعلنوا أنهم غير معنيين باتفاق وقف إطلاق النار، بإطلاق صواريخ الهاون على مدى بضعة أيام. هذا وقد انضمت إليهم كل من حماس والجهاد الإسلامي ردا على نيران إسرائيلية أطلقت من غير قصد.
كما أن حماس بدأت تجرب صواريخ القسام بإطلاقها في البحر الأبيض المتوسط مصيبة بلدة سدروت الإسرائيلية الواقعة على الحدود. علاوة على ذلك، نقلت صحيفة "الأهرام "المصرية مؤخرا عن القيادي في حركة حماس خالد مشعل المقيم في سوريا قوله "إن التزام الحركة باتفاق وقف إطلاق النار لا يعدو أن يكون "تكتيكا".
والجدير بالذكر، أنه ما لم تستقر الحالة الأمنية، فإن إسرائيل سوف لن تخفف من قبضتها بما يكفي ليشعر الفلسطينيون بأي تحسن في حياتهم اليومية. فبينما يعتقد الفلسطينيون، مثلا، أن الحواجز التي تقيمها القوات الإسرائيلية على الطرقات هي شكل من أشكال العقاب الجماعي، ينظر إليها الإسرائيليون على أنها ضرورية للحفاظ على الأمن. غير أنه من شأن مراجعة إسرائيل لسياسة حواجز الطرقات أن تكون مهمة للغاية، لاسيما في هذا الوقت الذي يواجه فيه أبو مازن, حركة حماس في الانتخابات البرلمانية في الشهور المقبلة.
هذا ومازالت تلوح في الأفق قضية التنسيق للانسحاب من غزة. فرغم التزام عباس مبدئيا بتنسيق الانسحاب مع إسرائيل، إلا أنه لحد الآن لم يتل الاجتماعات الثنائية بين الطرفين أي تعاون حقيقي بينهما. وتشكل حالة الفوضى التي تعيشها المصالح الأمنية للسلطة الفلسطينية في غزة الوصفة المثالية لتجدد العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد الانسحاب. وكنتيجة لذلك، من المرجح أن يتقوى المتشددون الرافضون لاتفاق وقف إطلاق النار بدل المعتدلين. وفي هذا الإطار، يتوقع موشي يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المنصرف أن تتجدد أعمال العنف قبل نهاية السنة الجارية.
وللإشارة، فإن الانخراط الكلي للولايات المتحدة في مسألة الأمن لن يكون مفيدا فقط للسلام، بل سيكون له فوائد اقتصادية. فقد قامت إدارة الرئيس بوش باختيار ذي دلالة لا تغفل عندما قامت مؤخرا بتعيين جيمس د. ولفينسون المدير السابق للبنك الدولي كمبعوث اقتصادي. بيد أن السيد ولفينسون ذا التجربة الكبيرة والمكانة الرفيعة لا يمكنه النجاح في دعم آفاق الاقتصاد الفلسطيني إلا بعد إحداث بيئة مستقرة أمنيا. ومن هذا المنطلق، بات من الضروري على الجنرال ورد والسيد ولفينسون أن يعملا معا ضمن فريق منسق.