من المعروف أن إيران وحكومات فرنسا وألمانيا وانجلترا باسم دول الاتحاد الأوروبي قد وقعت في نوفمبر 2004 على ما يسمى باتفاقية باريس. وهي الاتفاقية التي وضعت حداً للخلافات –التي لا تزال مستمرة- بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي بشأن الملف النووي الإيراني الذي هددت -ولا تزال تهدد- الولايات المتحدة بإقناع مجلس محافظي الوكالة كي يحيله إلى مجلس الأمن حتى تصبح العلاقة بين مجلس المحافظين وإيران سياسية وليست تقنية. وهذا يفتح الباب أمام فرض عقوبات على إيران قد نعرف مبتدأها ولكن لا نعرف منتهاها كما حدث مع العراق حينما أصرت الولايات المتحدة على فرض العقوبات عليه مدة 12 عاماً انتهت في العام 2003 حينما استباحته القوات الأميركية بعد أفغانستان.
الأزمة بين إيران والإدارة الأميركية الحالية نشأت في أواخر العام 2002. وكانت روسيا الاتحادية قد وقعت مع إيران اتفاقية في أواخر فبراير 2002 تنهي بموجبها روسيا الاتحادية بناء محطة بوشهر بحلول أواخر العام 2005 على أن تعمل المحطة بكامل طاقتها في مطلع العام الجديد. وكانت الإدارة الأميركية الحالية، بعد تجربتها في العراق ومجلس الأمن، قد حدت من غلوائها بفتح جبهة عسكرية أخرى، ما يتطلب مشاركة دولية بحيث تبدو حرباً دولية ضد إيران، وليست أميركية. لهذا أوكل نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني إلى إسرائيل توجيه ضربة عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية، واعتبر تصريحه هذا كإعلان مبكر للانتخابات الرئاسية في العام 2008، إذ ربما حدثت الضربة المحتملة لإيران في أواخر الولاية الثانية والأخيرة للرئيس الأميركي الحالي. فإسرائيل ستستفيد من إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط استراتيجياً وسياسياً وأمنياً. ولم تستجب إسرائيل لهذا النداء الآن, فقد نظرت إلى الأزمة على أنها دولية ولا تخص إسرائيل وحدها، عدا أن الجهود السياسية والدبلوماسية مع إيران لم تستنفد بعد. وتخشى إسرائيل من انعكاسات ضرب إيران على الأمن الإسرائيلي وأمن اليهود في العالم، ذلك أن إيران تمتلك إمكانات متنوعة للتأثير في مختلف الجاليات الشيعية في العالم.
وربما استعانت الإدارة الأميركية الحالية في حربها ضد العراق بالاحتياطي الاستراتيجي وتحديداً بالقوة العسكرية الإسرائيلية، وبخاصة أن الإدارة الأميركية الحالية كثيراً ما تستعيد كلمة الرئيس الأسبق رونالد ريغان في العام 1979 حينما كتب يقول إن "إسرائيل قلعة استراتيجية للغرب"، وبخاصة أن الفعل الإسرائيلي – إذا تم- يتجاوز إسرائيل ويشمل المنطقة بأسرها.
وتخشى إسرائيل أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً يكسر الاحتكار الإسرائيلي الذي تعاملت بموجبه مع البرنامج النووي الإيراني منذ منتصف التسعينيات. وهي تخشى أن تهدد إيران أمنها باعتباره "تهديداً وجودياً حقيقياً". فإيران تدعو إلى تدمير إسرائيل، ما يعني أن امتلاكها السلاح النووي قد يسهل عليها هذه المهمة. وهو ما يزيدها تهديداً لإسرائيل المحتكرة امتلاك السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا تشجعت إسرائيل منذ منتصف 2003 على الحديث عن احتمالات ضرب المنشآت النووية الإيرانية, مرتكزة في ذلك على الإنذار الذي وجهه إلى إيران مجلس محافظي الوكالة في شهر أكتوبر 2003 معتبرة ذلك الإنذار في منزلة غطاء قانوني لضرب إسرائيل لتلك المنشآت. وتستطيع إيران الرد على العمل الإسرائيلي، وبخاصة أنها تمتلك صواريخ بالستية بعيدة المدى تصل إلى عمق إسرائيل. وقد تُحمّلها برؤوس كيميائية أو بيولوجية أو نووية تلحق بإسرائيل المعتدية أكبر خسائر ممكنة، إضافة إلى احتمال إشعال جبهة مزارع شبعا اللبنانية، وإلى اختراق الأجواء الأردنية والسعودية والعراقية لكي تصل الطائرات الإسرائيلية إلى محطة بوشهر الإيرانية التي تبعد نحو 1300 كلم.
ما نطلبه هو أن لا تغرق الإدارة الأميركية الحالية في فتح جبهة ثالثة بعد أفغانستان والعراق بعد أن قال أرييل شارون "الآن" ولم يقل "لن توجه ضربة إلى إيران" وبذلك ترك الباب مفتوحاً لفتح جبهة ثالثة.