في تطور غير مسبوق أصبحت تقنيات المسح المتقدمة تساعد العلماء على إدراك الأشياء التي يراها الأشخاص ليس عبر التحديق في أعينهم وإنما في داخل عقولهم حتى في بعض الأحيان التي لا يدرك فيها هؤلاء الأشخاص حقيقة ما يرونه أمامهم. وهذه الخطوة التي أعلن عنها مؤخراً توضح أن أجهزة المسح الجديدة ربما باتت أفضل من سابقاتها في كشف الحدود التي تفصل بين التفكير الواعي واللاواعي, بل تتمكن أيضاً من قراءة حالة عقل الإنسان. وهذه التقنية الجديدة للمسح التي أطلق عليها اسم "التصوير الرنيني الوظيفي المغناطيسي" أصبحت نسخة أكثر تقدماً من التقنيات التي كانت تستخدم في المستشفيات, إذ بإمكانها أن تحدد تلك المناطق من المخ التي تعمل بنشاط في أداء مهامها ولكنها ما زالت حتى الآن تفتقد إلى الوضوح اللازم في تتبع مجموعات معينة من الأعصاب وبخاصة فيما يتعلق بردة أفعالها مع وحدات وظيفية في المخ.
وهذا التقدم الذي تم إحرازه لا يعود إلى تطور الأجهزة نفسها وإنما إلى التقنية التحليلية التي قام بتطويرها الدكتور فرانك تونغ طبيب علم النفس في جامعة فاندربيلت. وفي العدد الأخير من نشرة "الطبيعية وعلم الأعصاب" أعلن فاندربيلت مع زميله الدكتور يوكياسو كامتياني عن تمكنهما عبر استخدام جهاز المسح من تحديد مواقع أنماط الخطوط الاختبارية التي لاحظها الأشخاص الخاضعون للاختبار في السابق. واستطاع جهاز المسح إرسال البيانات الضرورية المطلوبة لأنه يركز على منطقة في المخ تعرف باسم "اللحاء البصري الرئيسي", حيث تتم معالجة المعلومات الواردة من العين. ففي إحدى محطات النقل في الشبكية توجد منطقة في اللحاء البصري تدعى (V1) تحتوي على أعمدة من الأعصاب التي تنشط بمجرد رؤية الخطوط أو الأطراف قبل أن يسارع كل عمود للقيام بردة فعله تجاه زوايا الشيء المراد رؤيته.
وكان الدكتور تونغ قد استخدام جهاز المسح لمراقبة أعمدة التوجه في منطقة (V1). وعلى الرغم من أن أعمدة الأعصاب أصغر حجماً من أن يتمكن جهاز المسح من رؤيتها مباشرة إلا أنه توصل إلى طريقة إحصائية لمعرفة الأعمدة الناشطة ثم معرفة التوجهات التي تستجيب لها منطقة (V1). ويذكر أن أعمدة التوجهات كان قد تم الاستدلال على وجودها قبل سنوات عديدة في القطط والقرود عبر توصيل الأقطاب الكهربائية مباشرة إلى عقولها. ولما كانت هذه الأقطاب الكهربائية لها آثار سلبية على الإنسان إلا أن طرق المسح الجديدة تجعل وصول الباحثين إلى أعمدة الأعصاب في منطقة (V1) عند الإنسان أكثر سهولة, كما تسمح لهم بإمكانية تتبع المعلومات البصرية عندما تجتاز الحدود الفاصلة بين منطقتي التفكير الواعي واللاواعي.
وبعد أن ترسخت إمكانية مراقبة أعمدة التوجه سارع الدكتور لرسم شبكتين من الخطوط وطالب الأشخاص الخاضعين للاختبار بالنظر إلى إحدى هاتين الشبكتين ثم التركيز على الأخرى. وعبر استخدام جهاز المسح تمكن الدكتور تونغ من تحديد أي من الشبكتين, التي تمكن الأشخاص من التركيز عليها وتمكن بذلك من الاستدلال بشكل مستقل على حالة المخ. وقد أدت هذه النتائج أيضاً لتوضيح أن التركيز الواعي يمكن أن يتغذى مرة أخرى داخل نظام المعالجة البصرية في مرحلة مبكرة جداً ويفرض عليه المنطقة التي يستوجب التركيز عليها.
وهناك فريق من الباحثين في "يونيفرستي كوليدج" لندن بادر إلى استخدام الطريقة التحليلية للدكتور يونغ، لكنها جاءت ببعض النتائج المختلفة نوعاً ما. وكان الدكتور جون دايلان هاينز والدكتور جيرنيت ريز قد عمدا إلى منح الأشخاص الخاضعين للاختبار فرصة النظر بسرعة إلى شبكة من الخطوط في توجهات مختلفة ثم قاما بإخفاء هذه الخطوط. ونسبة لما يحدث من خداع بصري في هذه الحالة لم يتمكن الأشخاص الخاضعون للاختبار من وصف توجه الشبكة التي شاهدوها أول مرة. وهي نفس الحالة التي توصل إليها الأشخاص الذين خضعوا للاختبار في لندن. ولكن منطقة (V1) في عقولهم تمكنت مع ذلك من تسجيل المعلومة. وأعلن الدكتور هاينز والدكتور ريز أيضاً في العدد الأخير من مجلة" الطبيعة وعلوم الأعصاب" عن أن أعمدة الأعصاب في منطقة (V1) قد تمكنت بشكل صحيح من اكتشاف توجه الشبكة على الرغم من أن الأشخاص الخاضعين للاختبار لم يتمكنوا من تحديد ما تمكنوا من رؤيته.
ولكن هل العقل الواعي لديه ارتباط بأعصاب منطقة (V1) ؟ تشير الاختبارات التي أجراها الدكتور تونغ إلى إمكانية ذلك بينما تؤكد اختبارات الدكتور ريز عكس هذا الأمر، وذلك لأن منطقة (V1) تتخذ موقعها في المنطقة الحدودية ما بين العقل الواعي والعقل غير الواعي. وقد ذكر الدكتور ريز في رسالة بالبريد الإلكتروني أن التجربتين قد كشفتا عن أن النشاط العصبي في منطقة (V1) ضروري ولكنه لا يكفي المخ لإدراك توجهات البيانات التي يحملها. ومن جانبه فقد أشار الدكتور جيفري بوينتون طبيب الأعصاب المختص في معهد "سالك" في سان دييجو أن هذه التقنية الجديدة "تفتح الباب على مصراعيه أمام العديد من الأسئلة" بما في ذلك ارتباط منطقة (V1) بكل من الرؤية الواعية وغير ا