يكره الكثيرون من الكتاب فكرة التجول واستقصاء الأخبار. غير أنني أستشعر فائدة كبيرة في أن أعمل مراسلاً صحفياً من داخل الولايات المتحدة الأميركية, كي أتحسس نبض الحياة وإيقاعها في هذا البلد. وفيما يلي أهم شيئين تعلمتهما من آخر جولة إخبارية قمت بها. أولهما أن هناك الكثير من المتعلمين الأميركيين يستقون معلوماتهم فيما يبدو من شبكة "كوميدي سنترال". فماذا عساي أن أقول عن هذا؟.
لن أختلف هنا عن غيري من الكتاب الآخرين الذين سيقول لك أي واحد منهم, إن أفضل البرامج التي تعرضها القنوات, هي تلك التي يقدمها كل من دون إيموس وشارلي روس, وبرنامج سي. سبان, وتيم روزيت المقدمة من خلال شبكة" سي. إن. بي.سي"، وإلى ذلك يمكن إضافة برامج أخرى مثل "أوبراه" الذي تقدمه شبكة "سي. إن. إن", وقناة "فوكس" و"إم. إس. إن. بي. سي". ولا تزال جميع هذه البرامج المذكورة كبيرة وعملاقة.
غير أن الجديد بالنسبة لي هو أن عدداً لا يستهان به من الجمهور ذكر أنه يستقي معلوماته الإخبارية من برنامج "ذي ديلي شو" الكوميدي الساخر الذي يقدمه جون ستيوارت, مع العلم أنني لا أتحدث هنا عن طلاب الكليات الجامعية فحسب, بقدر ما أتحدث عن الجدات والمتقدمات في السن. ومع أنه يصعب إحصاء عدد الذين يستقون معلوماتهم من شبكة "كوميدي سنترال", إلا أن العدد يفوق كثيراً كل ما يخطر على بالك من أرقام.
الشيء الثاني الذي تعلمته من خلال جولتي هذه – وربما كان له علاقة بالملاحظة الأولى- هو القلق البادي لدى الكثيرين, إزاء الطريقة والمناهج التعليمية التي يتلقاها أولادنا, وما إذا كانت هذه المناهج ستؤهلهم للحصول على وظيفة بعد إكمال دراستهم, وتمنحهم القدرة على التنافس في سوق عالمية, يسودها الضعف الاقتصادي العالمي, وينافس أبناءنا فيها, أبناء الشعوب الهندية والصينية والروس أكثر من أي وقت مضى, وعلى نحو غير مسبوق.
وفي ثلاث مدن على الأقل, التقيت خلال جولتي ببعض الآباء الذين أخبروني أن أولادهم أو بناتهم يدرسون اللغة الصينية في المرحلة الثانوية, ثم يوجهون لي السؤال الحائر: ذلك هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عليهم فعله... أليس كذلك؟ ولما لم أكن معلماً بحكم مهنتي, فإنني لم أجد نفسي في مقام من يستطيع تقديم أي نصائح للآباء في هذا الخصوص. غير أن ما توصلت إليه من خلال أبحاثي واستقراءاتي الخاصة, أن أكثر ما يجب تعلمه في غمرة حدة التنافس العالمي على الوظائف اليوم, هو كيف لنا أن نتعلم أولاً؟
وعلى حد تعبير بيل برودي رئيس جامعة جونز هوبكنز "فأن تتقن الكيفية التي تتعلم بها, فإن في ذلك رأسمالاً كبيراً, في عصر يتسم بالديناميكية وسرعة التحولات, ويتجه فيه العالم أكثر من ذي قبل نحو الابتكار والحداثة, وتندثر فيه المهن والوظائف القديمة بسرعة البرق, بينما تستحدث مهن ووظائف جديدة مبتكرة بوتائر غير مسبوقة".
إلى ذلك سألني أحد طلاب الصف التاسع في سانت بول قائلاً: أي مقررات يتعين عليّ دراستها في رأيك؟ وكيف لي أن أتعلم كيف أتعلم؟ فأجبته قائلاً: ربما كانت أفضل طريقة لتعلم كيف تتعلم, هي أن تسأل أصدقاءك عمن هم الأساتذة الأفضل في رأيهم؟ وعند سماعك الإجابة, فإن عليك أن تدرس على يد هؤلاء, بصرف النظر عن المناهج الدراسية التي يدرسونها.
ولدى استعادتي ذكريات أيام الدراسة, وأفضل المعلمين الذين درسوني, فإنني لم أعد أذكر اليوم الكثير عن الذي كنت قد تلقيته على يديهم, غير أنني أذكر بشدة, مدى انفعالي وإثارتي بما كنت أدرسه. دعني أعبر عن هذا بالطريقة التالية: إن ما بقي في ذاكرتي ليس الحقائق والمعلومات التي أوصلوها لي, إنما بقيت الإثارة والدهشة بما غرسوه في من فضول وحب للتعلم بحد ذاته. ولكي يتعلم المرء كيف يتعلم, فإن عليه أن يعشق المعرفة والتعلم بحد ذاتهما. وفي حين يولد الكثيرون بهذا العشق مغروساً في جيناتهم وتكوينهم, فإن على كثيرين آخرين، تعلمه سواء من خلال معلم أم أب موهوب وقادر على غرس هذا العشق في نفوسهم.
بهذه المناسبة يذكر أن قسم "الحياة التعليمية" بعدد صحيفة "نيويورك تايمز", الصادر يوم 24 إبريل الماضي, كان قد نشر مقالاً مطولاً عن بريتني شميدت, وهي طالبة في جامعة أريزونا, أعربت عن سأمها من المناهج الدراسية العلمية التي تتلقاها في الجامعة, بسبب أن الأساتذة لا يهمهم شيء آخر سوى تقديم محاضراتهم ومغادرة القاعات. وقالت الطالبة إنها تحصل على درجة الامتياز في كافة المواد الدراسية التي تتلقاها بلا منازع, ولكنها سئمت دراستها على رغم ذلك, لأنها لم تكن تفكر في أي شيء جديد خلاق وملهم. ولما كان عليها أن تتلقى مقرراً دراسياً في مادة العلوم الطبيعية, فقد فوجئت بعدد مقدر من الأساتذة ومساعدي التدريس الملهمين. وبلسانها قالت الطالبة إنها كانت على قدر كبير من الحظ, لكونها التقت أستاذاً يعتني بطلابه ويهمه أمرهم. فماذا كانت النتيجة؟ ميلاد عالمة أميركية جديدة. فقد جرى قبول الآنسة شميدت بقسم الدراسات العليا بجامعة كاليفورنيا لدراسة الفيزياء الفلكية, إلى جانب قبو