أثبتت التجارب التاريخية أن إنجازات الدول ومكتسباتها وحماية نجاحاتها الاقتصادية يحتاج إلى قوة عصرية تمثل ما يمكن وصفه مجازا بالذراع العسكري للتنمية الحضارية. فالنجاح يستلزم توفر درع واق من قوة عصرية تواكبه لردع من تسول له نفسه المساس أو النيل من التقدم الحضاري في دولة ما. إذا فإن الحسابات الاستراتيجية ومقومات الأمن الوطني تجعل أمر التطور والتقدم من الصعب إغفاله.
وعندما أكد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على هامش الاحتفال الذي أقيم بمناسبة تسلم دولة الإمارات لأول دفعة من طائرات "إف 16"، أن "تطوير قدراتنا العسكرية يهدف إلى إرساء مبادئ الأمن والاستقرار في المنطقة", فإن سموه قد اختصر مبادئ استراتيجية وسياسية عدة، خاصة بدولة الإمارات، وعبر عنها بدقة شديدة في هذه المقولة. فإذا كانت السياسة الخارجية الإماراتية تتسم بقدر عالٍ ومشهود من الدبلوماسية والهدوء والحرص على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي والعمل على حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية، فهي تدرك أيضا قيمة القوة في حماية الأمن والاستقرار، وبالتالي يكون تعزيز القدرات العسكرية هدفاً حيوياً للدولة مادام لا يستهدف الآخرين.
إن منطق الأمور والحسابات الاستراتيجية للأمن الوطني لأي دولة في العالم تؤكد، أن الجيش القوي القادر على ردع أي أطماع، هو ضمان للسلم والتوازن وليس تهديدا لأحد، وميل كفة الميزان العسكري في أي منطقة من العالم لمصلحة دولة ما بطريقة واضحة، أو عدم مقدرة أي دولة على مواكبة التطورات العسكرية السائدة في العالم لأي سبب كان يفرز معادلات أمنية إقليمية غير متوازنة، وبالتالي ينعكس الأمر على مختلف علاقات دول تلك المنطقة.
ومن هنا, يصبح امتلاك مقومات الحماية الحديثة ليس نوعا من الترف الأمني والعسكري خاصة في ظل الثورات المتوالية التي تشهدها الصناعات العسكرية في العالم وهي تطورات تفرض تحديات متواصلة على صانعي القرار العسكري في مختلف دول العالم.
لا تكمن الدلالة في صفقة طائرات "إف 16 بلوك 60" الأميركية في حداثة التقنية وما تمتلكه هذه المقاتلات المتطورة من قدرات عسكرية هائلة تعزز المقدرة العملياتية لقواتنا المسلحة فحسب، ولكن أيضا هناك دلالة أخرى لا تقل أهمية عن تلك المميزات، وهي مشاعر الاعتزاز والفخر والانتماء الوطني التي كرستها هذه الصفقة سواء بين صقور الجو من طيارينا المواطنين الذين هبطوا بالدفعة الأولى من هذه الطائرات على أرض الإمارات، أو بين المواطنين المفاوضين سواء الذين ساهموا في الصفقة منذ بداياتها قبل عشر سنوات تقريبا أو الذين شاهدوا إخوانهم وأبناءهم وهم يقطفون ثمرة تخطيط منهجي مدروس بعيد المدى لتطوير قواتنا المسلحة.
حقيقة, المشهد لم يكن عاديا وإحساسنا به، ونحن نجلس خلف شاشات التلفزة، ليس عاديا أيضا ويكفي نظرات التقدير والاعتزاز والثقة بقدرات أبناء الإمارات التي لمحناها في عيني الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حين قام بمصافحة صقور الإمارات، وكذلك من كلماته التي أدلى بها لوسائل الإعلام على هامش الحفل بالقاعدة الجوية بالظفرة، يوم الثلاثاء الماضي.