أقرأ هذه الأيام الكتاب الوثائقي الذي أعده الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الأستاذ عبد الله بشارة، عن تجربته الثرّية في قيادة سفينة المجلس خلال اثني عشر عاماً من حياته. والحقيقة أنني كنت غالباً ما أعاتب مجلس التعاون على بطئه في اتخاذ القرارات. وبعد أن فرغت من قراءة يوميات عبد الله بشارة بدأت تتشكل لديَّ صورة مختلفة بعض الشيء عما كنت أتخيله من قبل. يبدأ عبد الله بشارة كتابه، أو سيرته الذاتية "عبد الله بشارة بين الملوك والشيوخ والسلاطين"، بصورة ذاتية يتخللها الكثير من ملامح النرجسية. ويملأ كتابه بصور عن أهم الشخصيات السياسية التي قابلها أو تعرّف عليها, وبين فترة وأخرى يذكرك في ثنايا الكتاب بتاريخه العريق في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن. وللأستاذ عبد الله, الحق في تمجيد الذات، فهو كان وراء استصدار قرار الأمم المتحدة بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وغير ذلك من الإنجازات الدبلوماسية. ويتحدث الكتاب بشكل مطول عن العلاقات الثنائية بين دول الخليج العربية، وعن قضايا الحدود. وقد أثرت هذه القضايا على عمل الأمين العام حينذاك، وجعلته في موقف صعب، وإن حاول أن يبذل الجهود كحامل غصن زيتون بين العواصم الخليجية المعنية. ويبين لنا الباحث أن قوة رئيس أي منظمة إقليمية تنبع من ثقة أعضاء المنظمة بها وبأمانتها العامة. والحقيقة أن الأستاذ عبد الله بشارة كان يتمتع بثقة كبيرة من أعضاء منظمته، ولكنه كما يصف، عانى الأمرّين من اعتزاز الدول الأعضاء في منظمته باستقلاليتهم وعدم التنازل ولو بجزء بسيط عن سيادتهم لهذه المنظمة الوليدة.
كما عانى كأمين عام من نزوع بعض الدول الأعضاء إلى تبني الإجراءات والترتيبات الثنائية مع الدول الأخرى، بدلاً من الإجراءات الجماعية.
وكما يصف الكاتب فإن مجلس التعاون حاول أن يستفيد من التهديدات الإقليمية، خاصة الحرب – العراقية الإيرانية في الثمانينيات، في زيادة تلاحم أعضائه، حيث إن تلك الحرب قد هددت تلك الدول وإن بدرجات متفاوتة. ومع اشتداد أوار تلك الحرب وانتقالها إلى مواجهات بحرية وألغام في الخليج، شعر أعضاء المنظمة بعظم المخاطر التي يواجهونها، وزاد تلاحمهم، وإن استعانوا بقوى دولية ونصبوا أعلاماً للدول الكبرى على ناقلات السفن التي يملكونها، حتى يتمتعوا بحماية بحرية من قوات وسفن تلك الدول.
غير أن الأزمة الأخرى التي قابلت المنظمة باحتلال أرض دولة عضو وهي الكويت عام 1990، لم تقد إلى التلاحم الذي حدث قبل سنوات قليلة، فقد استغلت تلك الأحداث بعض الدول الأعضاء للضغط على دولة أخرى للحصول على مكاسب تفاوضية ثنائية. وكادت المنظمة تهوي، وأن يذهب جهد عظيم في سبيل بنائها نتيجة لقرارات اتخذت في وقت شديد الحساسية. ولولا الحس التاريخي لدى الزعماء السياسيين لانفضت هذه المنظمة خلال تلك الأزمة، وأصبحت أثراً بعد عين. الشيء الآخر الذي يتحدث عنه عبد الله بشارة في كتابه هو أن الأمين العام لم يُترك وحده في الميدان السياسي، بل إنه كان يستخدم علاقاته الشخصية سواء مع دولة الكويت، أو في علاقاته المتميزة مع الزعماء الآخرين ليستخدمها كأدوات ضغط على أي دولة عضو يشعر بأن سياساتها قد تؤدي إلى انفراط العقد.
وبالرغم من أن المرء لا يمكنه أن يتفق على الدوام مع الآراء المحافظة (وربما المحافظة جداً) للأستاذ عبد الله بشارة، إلا أن تحليلاته السياسية غالباً ما تتسم بالمنطق والتحليل السليم. فهو في تحليله لمواقف الدول العربية المختلفة من احتلال قوات صدام حسين للكويت, يتخطى في بعض الأحيان المجاملات الدبلوماسية، ولكنه يصف مواقف تلك الدول بصفات لا تجانب الحقيقة بالضرورة.
وحين يتحدث عن زيارات بعض زعماء الدول الأوروبية للخليج، يذكر أنهم لا يريدون أن يتحدثوا إلا عن دعم مالي لحكوماتهم. وفي أحيان أخرى تأخذه الدبلوماسية التي تسري في دمه، كل مأخذ. فهو وإن تطرق إلى مسألة شائكة، فإنه لا يوغل في شرحها والنظر في تفاصيلها للقارئ العادي، ولكنه يؤثر الإيماءة والإشارة والتلميح، بدلاً من التصريح. وكل عذره في ذلك أن علاقاته الكثيرة وصلاته الشخصية تحول دون التصريح والاسترسال في كتاباته. وفي أحيان أخرى أراه يضع نصوص تقارير رفعها للزعماء في اجتماعاتهم في ثنايا الكتاب، ويخيل إليّ أن مثل هذه التقارير، وإن نأى بها الزمن قليلاً، تعد ذات طابع رسمي، والأجدر بها أن تبقى بين أضابير الملفات التي وجدت فيها.
الشيء الرئيسي الذي يصبغ الكتاب من بدايته حتى نهايته هو تركيزه على الموضوع السياسي. وحتى حين يتحدث بلغة الناقد للصعوبات التي كانت تواجه بعض القرارات الاقتصادية مثل توحيد التعرفة الجمركية، أو تبني سياسات اقتصادية موحدة خلال الثمانينيات، فإننا لا نجد تفسيراً تحليلياً لأسباب إحجام دول مجلس التعاون عن تعميق تعاونها في المجالات المختلفة خلال تلك الحقبة، عدا التعاون في المجال النفطي، والذي يشير الكاتب أيضاً إلى أنه تعرض لهزة عميقة عام 1986، حين غادر الشيخ أح