يورد قاموس المترادفات" ذي سوراس" Thesaurus ما يزيد على 19 مرادفا لكلمة الكذب. ولكن "بيتر أوبورن" مؤلف كتاب "صعود الكذب السياسي" الذي نقوم بعرضه في هذه المساحة يورد قائمة لمعاني الكذب، وتحديدا كذب السياسيين، وبتحديد أكثر سياسيي حزب العمل الجديد، تضم مرادفات تفوق الموجودة في ذلك القاموس بكثير. والقائمة التي يوردها المؤلف في هذا الكتاب جاءت كاشفة، وشديدة الوضوح، وهو أمر جدير بصحفي مخضرم مثل" أوبورن" عرف عنه تمتعه بحس لغوي عميق.
بنى "أوبورن" كتابه على فرضية رئيسية مؤداها أن رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير" والسياسيين المحيطين به، ينتمون إلى تلك النوعية من السياسيين الذين احترفوا ليَّ عنق الحقائق وعشقوا تلك الممارسة إلى حد الإدمان. ويصف المؤلف هؤلاء السياسيين بقوله: إن هذه المدرسة من السياسيين قد تخلت تماما عن الفكرة التي تقول إن الحقيقة أمر يمكن دائما الوصول إليه، بشرط بذل جهد صادق من أجلها، وتوصلوا بدلا من ذلك إلى استنتاج مؤداه، أنه يمكن دائما الخلط بين الحقيقة وبين الزيف في أي وقت، ودون وازع من ضمير.
يقول المؤلف أيضا إن الحرب التي شنتها أميركا وحليفتها بريطانيا على العراق، والحجج التي ساقتها الحكومة البريطانية تحت رئاسة بلير بشأنها، كانت في جوهرها امتدادا لأسلوب الكذب ولي عنق الحقائق، الذي كان قد بدأ في الوزارات التي سبقت بلير، وخصوصا في عهد مارجريت تاتشر وجون ميجور.
ومما لا شك فيه أن القارئ سيشعر أحيانا بالصدمة بسبب تلك النماذج الصارخة من الكذب التي يكشفها المؤلف، والتي كان الساسة البريطانيون يقومون فيها بإلباس الحق ثوب الباطل، وإلباس الباطل ثوب الحق. ويقوم المؤلف في سياق ذلك الكشف، بذكر أسماء بعض كبار الكاذبين مثل "بيتر ماندلسون"، و"أليستر كامبيل" وغيرهم، ثم يورد اسم رئيس الوزراء توني بلير على رأس جوقة الكاذبين البريطانيين. المؤلف يقول أيضا إن كم الأكاذيب قد ازداد بشكل كبير عقب وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وخصوصا بعد أن قام مكتب رئيس الوزراء في "10 داونينج ستريت" باستحداث نظام المؤتمرات الصحفية الشهرية لرئيس الوزراء، ونظام الملخصات المسجلة التي تذاع مرتين يوميا، مما وفر أمام الحكومة مساحة كبيرة للكذب.
وعلى الرغم من أن بعض الساسة الشرفاء في الحكومة، قد حاولوا كما يقول المؤلف إيقاف هذا المسلسل من الكذب الفاضح الذي انخرطت فيه حكومة بلير، وقام البعض منهم بالخروج من الحكومة من أجل ذلك إلا أنهم لم ينجحوا في إيقاف هذا التيار من الكذب، خصوصا وأن الحكومة قد استغلت الحرب كذريعة، وقامت بتطبيق إجراءات استثنائية مكنتها من أن تفعل وتقول ما تشاء. ويورد المؤلف في هذا الجزء من الكتاب نماذج من تلك الأكاذيب التي ساقتها حكومة بلير، مرتبة وفقا للتسلسل الزمني لتطورات الأزمة العراقية، والتي بدأت بكذبتها الخاصة بحيازة نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، ثم الأكاذيب التي أطلقتها بشأن الموقف الفرنسي من الحرب، وتلميحها إلى وجود روابط غير معلنة بين الحكومة الفرنسية، وتحديدا الرئيس جاك شيراك وبين نظام صدام حسين، ثم كذبها بشأن الأمم المتحدة، وسلسلة الأكاذيب والتلفيقات التي قام بها بلير ورجاله في هذا الشأن. ويتناول المؤلف هنا كيف تحول عدد من الصحفيين المعروفين للعمل كخبراء دعاية مدفوعي الأجر للحكومة، مهمتهم الوحيدة الطنطنة بإنجازاتها باستمرار، وترويج الأكاذيب لها، دون أدنى وازع من ضمير، ودون أدنى التزام بمواثيق الشرف الصحفية.
يقول المؤلف إنه كانت هناك علاقة شبه مرضية بين السلطة الرابعة (الصحافة) وبين حكومة بلير على وجه التحديد. ويورد المؤلف في هذا السياق مقالة كتبها "أنطوني بارنيت" الصحفي المشهور في صحيفة "الجارديان" عن الديمقراطية المفتوحة، التي يتحدث فيها على طبيعة الحكم السياسي "في عصر الصحافة الطفيلية" والتي قال فيها "إن هناك نوعا من النقد المختلق أو المفتعل الذي يقوم الصحفيون المنخرطون في هذا النوع من الصحافة بكتابته بالاتفاق مع الحكومة، وذلك بغرض تنفيس الاحتقان الشعبي، وأن هذا النوع من النقد المختلق قد ألحق العار بالسياسات الديمقراطية الحقيقية، وجعلها تفتقر إلى المصداقية".
إلى جانب ذلك كله، يرى المؤلف أن عددا كبيرا من العاملين في الصحافة البريطانية، هم في الحقيقة من الصحافيين المرتشين والمنافقين، والكسالى، الذين يفتقدون إلى حس المسؤولية، ويساهمون بما يقدمونه من كتابات، في خلق بيئة تتسم بالاستهتار والاستسهال، وتقوم بتدمير الأخلاقيات العامة. وهو يتهم الصحافة بأنها قد لعبت دورا في خلق مناخ يفرض على السياسيين أن يكذبوا باستمرار، وإلا اضطروا إلى دفع ثمن باهظ يتمثل في تشويه سمعتهم، أو تعرضهم لنيران الدعاية المضادة.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى فترتي حكم مارجريت تاتشر وجون ميجور، ويتهم هاتين الحكومتين، بأنهما كانتا على استعداد لبيع كل شيء، مقابل التقرب لأثرياء الخليج، وأنهما لم تتورعا عن التلاعب بالحقيقة من أجل ذلك. ومما يحسب