مما لا جدال فيه أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر ستظل علامة تستعصي على النسيان طوال الفترة القادمة من التاريخ الإنساني. بل إن تداعياتها وآثارها ستستمر تلقي بظلالها على جميع المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مستقبل البشرية وهي تبحث عن هوية المنفذين أو أولئك المحتمل أن يشنوا هجمات جديدة لا تقل عنفاً أو ضراوة عن سابقتها. وفي هذا الكتاب الذي نعرض له اليوم بعنوان:"الحرب المقدسة في الجبهة الداخلية: شبكة الإرهاب السرية الإسلامية في داخل الولايات المتحدة الأميركية" يبدو أن المؤلف هارفي كوشنر أستاذ العدالة الجنائية في جامعة لونج آيلاند، آثر أن يتصدى لهذه الاحتمالات القائمة، بيد أن هجومه انصب على المسلمين في المجتمع الأميركي دون سائر المجموعات الأخرى. وهو ينحي أيضاً باللائمة على إدارة كلينتون وأجهزة الإعلام الليبرالية وما يعتبره نوعاً من السياسات والمعالجات الخاطئة في خلق مناخ ساعد على ازدهار وتبلور "شبكة إسلامية سرية ضخمة" من الإرهابيين المسلمين ظلت تمارس نشاطها داخل الحدود الأميركية. وفي اتهام صريح شن كوشنر هجوماً عنيفاً على الرئيس كلينتون وعلى الاتحاد الأميركي للحريات المدنية وسائر المؤسسات والشركات التجارية المحلية التي سمحت لهذه المجموعات الإرهابية الإسلامية بأن تكتسب موطئ قدم لها داخل الأراضي الأميركية وهي تمارس أعمالها الإجرامية في الجامعات والمساجد والجمعيات الخيرية.
وهو لا يوفر الديمقراطيين والليبراليين من سهام نقده بينما راح يشيد بالرئيس بوش والجمهوريين رغم اعترافه بأن الشبكة السرية الإرهابية ما زالت ناشطة حتى يومنا هذا. وهو يرى أن هذا الخطأ الفادح إنما يقع بشكل رئيسي على عاتق الليبراليين بمختلف توجهاتهم والذين ما انفكوا يعارضون التكتيكات التي اعتمدتها الإدارة الجمهورية مثل القانون الوطني لمكافحة الإرهاب، من منطلق أن هذا القانون يحمل في طياته الدعوة إلى التفرقة والتمييز العنصري. حيث كتب كوشنر يقول: إن التفسير الوحيد لاستمرارنا في تجاهل شبكة الإرهاب الإسلامية السرية داخل أميركا هو أن المعارضة جعلتنا نشعر بالخوف والوجل من أن تلحق بنا تهمة العنصرية فوجدنا أنفسنا مصابين بعمى الألوان والهوية.
ويمضي ليشير إلى أنه وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على وقوع أحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإن الإرهاب ما زال أبعد من أن يتم استئصاله. وعلى الرغم من الحروب الدائرة في العراق وأفغانستان والجهود المقدرة التي تبذلها وزارة الأمن القومي "فإننا لم نعد نشعر بالطمأنينة والأمان". ويمضي هارفي كوشنر الاستشاري الأمني لمكتب التحقيقات الفيدرالية والعديد من الوكالات الاستخباراتية الحكومية الأخرى ليدلل عبر الوثائق والمعلومات المستقاة من مصادر حكومية مطلعة على وجود شبكة إسلامية إرهابية متحدة تخطط من أجل انتهاز الفرصة السانحة لتوجيه ضربتها داخل الولايات المتحدة الأميركية. بل إنه يذهب إلى تحديد وتقييم هذه الخطط العنيفة التي اعتمدتها المنظمات الإسلامية والأفراد الذين استغلوا سماحة المجتمع الأميركي وتردده في الظهور بمظهر المؤيد للتفرقة والتمييز العنصري. ويكشف أيضاً أن هذه الشبكة السرية تتألف من منظمات استخباراتية عربية وجموع المتطرفين وأساتذة الجامعات والأئمة المفسدين. بل إن معظم هؤلاء ضالع في عمليات تبييض الأموال عبر الجمعيات الخيرية المشبوهة تماماً كما أن بعضهم نجح في التسلل إلى داخل المؤسسات العسكرية الأميركية كمترجمين ودعاة إسلاميين.
إن هذا الكتاب في نظر الكثير من المتشددين وغلاة المحافظين قد نجح في تحديد مكمن الداء لأول مرة منذ وقوع أحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حيث هناك مجموعة من العناصر الإسلامية داخل المجتمع الأميركي ظلت تلحق أضراراً جسيمة بهذا المجتمع وهي توفر الدعم لهذه الجماعات الإرهابية. ولكن بالنسبة للبعض الآخر فإن هذا المؤلف فيما يبدو مسكون بالكراهية لكل ما هو عربي وبالعاطفة المشبوبة تجاه إسرائيل. وذلك لأن الكاتب عبر من استيائه وغضبه لما ظلت تلقاه شخصية مثل حنان عشراوي من ترحيب واحترام في أميركا مقارنة بما استقبل به دانييل بايبز على سبيل المثال (وهو الدكتور اليهودي في جامعة هارفارد ومدير منتدى الشرق الأوسط) من تهديدات بالقتل من بعض الجماعات الإسلامية المتشددة. ويمضي بعض المنتقدين إلى القول إن المؤلف شأنه شأن جميع الصهاينة المتطرفين غفل فيما يبدو عن حقيقة أن حنان عشراوي فقدت أرضها التي احتلتها دولة إسرائيل الإرهابية بموجب دعاوى توراتية بعد أن شردت العديد من المواطنين الفلسطينيين في المنافي ومخيمات اللاجئين. هذا في نفس الوقت الذي تعيش فيه شخصيات مثل بايبز في أعظم دولة في العالم وهو لا يخفي تأييده للحركة الصهيونية العنصرية. ويصف الكاتب ما أسماه بالطابور الخامس في هذه الشبكة الإرهابية الداخلية ولكنه ربما نسي أن العدد القليل من الأشخاص الذين ارتكبوا جريمة الإرهاب في سبتمبر لم يكونوا من المقيمين على أرض الدولة وفقاً لما جاء في تقرير