هناك القليل من القضايا التي ينقسم حولها الرأي في واشنطن بدرجة انقسامه الحالي حول ما يجب فعله إزاء إيران· فمن رأي المعتدلين أن تبدأ الولايات المتحدة حوارا سياسيا مع طهران، بغية كسب دعمها ومؤازرتها لجهود تأمين الاستقرار في العراق الجارية الآن· ويبدي هؤلاء تخوفا من أن تؤدي مساندة إيران لشيعة العراق وتشجيعهم على مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق، إلى الزج بالولايات المتحدة إلى وضع كارثي وليس سيئا فحسب· على نقيض هذا التيار المعتدل، ينظر صقور واشنطن، من تيار المحافظين الجدد، إلى القادة الإيرانيين باعتبارهم مصدر التهديد الرئيسي لأمن إسرائيل، إضافة إلى كونهم العقبة الرئيسية أمام الهيمنة الأميركية على منطقة الخليج· لذلك فإن المحافظين الجدد، يميلون أكثر لاستبعاد خيار الحوار السياسي نهائيا مع طهران، ويطرحون بدلا منه خيار الاستمرار في مواجهتها، بل وتكثيف هذه المواجهة والوصول بها إلى أقصى مدى ممكن· وبالنظر إلى تعليقات الرئيس بوش العدوانية الأخيرة حول طهران، فإن من الواضح أنه يقف إلى جانب الصقور· ففي خطاب له بتاريخ السادس من شهر نوفمبر الجاري، فيما أسماه استراتيجية إلى الأمام تجاه حرية الشرق الأوسط صرح بوش قائلا: إن على النظام الحاكم في طهران أن يلتفت إلى المطالب الديمقراطية التي ينادي بها الشعب الإيراني، وإلا فإنه سوف يفقد آخر المزاعم التي يثيرها حول شرعيته · هذا وتنبئ نبرة الكلمات نفسها عن أنه من الصعب جدا اعتبارها كلمات صديقة أو تحمل شيئا من الود·
إلى ذلك يضاف ما كتبه ويليام كريستول في مجلة ويكلي ستاندرد في الصيف الماضي، علما بأن كريستول يعتبر من أقوى الأصوات الناطقة باسم المحافظين الجدد: ها نحن نخوض سلفا معركة موت أو حياة ضد إيران حول ما يتعلق بمستقبل العراق· ولابد لنا من خوض هذا القتال مع إيران في عقر دارها، على أن ننقل المعركة إلى هناك بعدة سبل وأشكال، بدءا من اللجوء إلى أسلوب الدبلوماسية الشعبية، وصولا إلى العمليات العسكرية السرية· ذلك أن إيران تمثل مؤشرا مهماً لمصيرالحرب ضد نشر الأسلحة المحظورة، وكذلك الحرب المعلنة على الإرهاب، إلى جانب عملية إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط·
فإذا ما جنحت إيران لموالاة الغرب ومعاداة الإرهاب، فإننا نتوقع أن تحدث تغيرات إيجابية في كل من سوريا والمملكة العربية السعودية، دون صعوبات تذكر· وفيما لو نهجت إيران هذا النهج، فإن ذلك سيرفع كثيرا من احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني أيضا· إجمالا،فإن في نتيجة المواجهة الحالية مع طهران -أكثر من أي عامل آخر- يكمن مستقبل عقيدة الرئيس بوش، بل وبدرجة كبيرة، مصيره الرئاسي أيضا·
من جانبها فإن لإيران أكثر من سبب يدعوها للانتباه لما تضمره تجاهها هذه النبرة المحافظة الجديدة في واشنطن، علاوة على ما يجري من تطورات إقليمية مجاورة لحدودها· فإثر الحربين العراقية والأفغانية، وجدت إيران نفسها شبه مطوقة من قبل الولايات المتحدة الأميركية· وفي الأسبوع الماضي، بدأت تدريبات قتال جوي مشتركة بين كل من أميركا وتركيا وإسرائيل اتخذت لنفسها اسم صقر الأناضول يتوقع لها أن تستمر لبضعة أسابيع· وفي خطاب له وجهه للجنة الموازنة العامة داخل البرلمان التركي، قال وزير الدفاع التركي فيجدي جونال إن إيران تمثل تهديدا للأمن التركي· وسوغ الوزير قوله هذا باتهامه إيران بالسعي للحصول على الأسلحة النووية والبيولوجية والكيمائية، إضافة إلى تصديرها للعنف الإسلامي إلى المنطقة بأسرها·
يذكر أن البرنامج النووي الإيراني ظل هو الأكثر شدا للانتباه، إلى درجة أنه بات يهدد بنشوب أزمة دولية واسعة· وفي غضون الأشهر القليلة الماضية، سرت شائعات قوية، تروج لاحتمال إقدام إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية، أو كليهما على تدمير البرامج النووية الإيرانية بواسطة توجيه ضربة عسكرية إليها· سعيا لنزع فتيل هذه الأزمة، سجل كل من وزراء الخارجية الألمانية والفرنسية والبريطانية زيارة غير مسبوقة من نوعها إلى طهران بتاريخ الحادي والعشرين من شهر أكتوبر المنصرم· وأثمرت تلك الزيارة عن الحصول على تعهد إيراني يقضي بوقف إيران برامجها النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم· كما أثمرت الزيارة أيضا عن تعهد طهران بالتوقيع على البروتوكولات الإضافية الخاصة بمعاهدة حظر نشر الأسلحة النووية· بموجب هذه الموافقة، تكون إيران قد وافقت على خضوع منشآتها النووية لعمليات التفتيش والتدخل النووي التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية· وبعد يوم واحد من الزيارة الأوروبية رفيعة المستوى لطهران، سلمت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية،تقريرا شاملا يحتوي على كافة المعلومات المتصلة بأنشطتها النووية· وهو التقرير الذي يعكف مفتشو الوكالة الدولية على اختباره ميدانيا، كي يرفعوا ما يتم التوصل إليه من نتائج لاجتماع مجلس محافظي الوكالة المقبل الذي سيعقد في العشرين من نوفمبر الجاري في العاصمة النمساوية فيينا·
على خلفية هذه التطورات، صرح محمد البر