"كانت تلك هي أجمل الأوقات... كما كانت أيضا أسوأ الأوقات". هذه الكلمات التي لا تنسى، كتبها تشارلز ديكنز في مقدمة روايته الخالدة "قصة مدينتين".
بعض العارفين والعلماء حينذاك اعتقدوا أن الكأس قد امتلأت إلى حافتها، وبعضهم كان يرى أنها تفرغ سريعا ما فيها. بعضهم كان يرى أن المجتمع الإنساني والسياسات يتقدمان حسب المطلوب والمراد، وبعضهم كان يرى أنهما يتجهان نحو المتاعب والاضطراب. كان على القراء على زمن ديكنز أن يختاروا، تماما كما يتعين عليهم اليوم أن يختاروا كذلك. وليس هناك ما يدعو للدهشة إذن عندما نرى أن الكثيرين ممن يقرؤون أعمدة الرأي، يشتكون من التفسيرات المختلفة والمتعددة للاتجاهات العالمية.
وليس هناك أيضا ما يدعو للعجب في أن الرئيس الأميركي ترومان، وبعد أن استمع ذات مرة - حول مسألة معينة- لرأي مستشاريه الاقتصاديين الذين كانوا يقولون له "من ناحية" ثم يعودون فيقولون له "ولكن من ناحية أخرى"، لم يجد أمامه سوى أن يلتفت إليهم قائلا في غضب "إنني أريد مستشارين اقتصاديين يتفقون على ناحية واحدة فقط".
لقد فكرت في هذه المعضلة أثناء قراءاتي لكتاب "توماس فريدمان" الأخير "العالم المسطح: تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرين". الكتاب رائع، وكاتبه هو ربما أشهر مراسل صحفي في العالم منذ أيام المراسل الأسطوري "والتر ليبمان". ففريدمان في رأيي هو أعظم مراسل للشؤون الخارجية في جريدة النيويورك تايمز، ويكفيه فخرا أنه قد حصل على جائزة بوليتزر في الصحافة ثلاث مرات. وفريدمان لديه ترخيص مفتوح من مالك الصحيفة يخوله السفر إلى أي مكان يرغبه في العالم، ومقابلة أي شخصية يود مقابلتها (معظم القادة السياسيين والاقتصاديين في العالم يوافقون على مقابلته فورا بمجرد طلبه ذلك) من أجل أن يجلس بعد ذلك، ليكتب مقال الرأي المركز والشيق الذي يكتبه في العمود المخصص له في الصحيفة.
وفريدمان مقنع غاية الإقناع، وهو يصف لنا مقابلة أجراها مع مدير عام شاب لإحدى شركات البرمجيات في الهند، أو أخرى أجراها مع مدير معهد دراسات وأبحاث في "مريلاند"، متخصص في شبكات المعلومات العالمية. وهو أيضا مفتون بفكرة ارتباط عالمنا مع بعضه، بفضل التقنية الالكترونية الحديثة المرتكزة على الكومبيوتر. وهذا هو السبب في أنه يعتقد أن العالم يزداد تسطيحا شيئا فشيئا... بمعنى أن المجتمعات، والأمم، والطبقات، تتحول الآن كي تصبح أكثر مساواةً، وأكثر قابلية للتفاعل، وتبادل الأدوار فيما بينها، وأكثر رخاءً أيضا. وأنا عادة ما أتجنب اقتباس التعليق المكتوب على الغلاف الورقي الواقي للكتب، ولكن هناك عبارة مكتوبة على النسخة التي أقرؤها من كتاب فريدمان السابق الإشارة إليه والصادرة عن دار (بنجوين بريس للنشر - لندن 2005) والتي أرى أن الحاجة تدعو إلى تدوينها هنا، وهي: إن بداية القرن الحادي والعشرين سيتم تذكرها فيما بعد ليس بسبب ما دار فيها من صراعات عسكرية، أو أحداث سياسية، ولكن بسبب عصر كامل وجديد من العولمة، يطلق عليه عصر تسطيح العالم.
باختصار، إن بلادنا جميعا ستبدو في هذا العالم، مثلما يبدو وادي السيليكون أو بنجالور حاليا، أي مكانا يغص بمهندسي البرمجيات.
حسنا، أتمنى أن يكون صديقي توماس فريدمان على حق في تفاؤله. فمما يحسب له أنه يعترف بأن مهندسي الكمبيوتر في شيفلد وبيتسبرج (ولاية بنسلفانيا) ربما يخسرون مواقعهم عما قريب أمام نظرائهم في ماليزيا وميسور في الهند، أما في هذه اللحظة، فإنني وكما قال جورج برنارد شو ذات يوم:"أقوم بوضع يدي على محفظتي، تحسبا لأي طارئ وخوفا من أن أتعرض للتضليل من قبل أحد".
شيء طبيعي أن يشعر المرء بالإعجاب الشديد، عندما يقوم بزيارة أحد مراكز البرمجيات والأجهزة والمعدات الالكترونية المزدهرة في جنوب الهند والمقاطعات الساحلية في الصين... فمن منا يستطيع أن يمنع نفسه من ذلك؟ فهاتان الدولتان ذواتا المساحة الشاسعة، واللتان تضم الواحدة منهما مليار نسمة من السكان، تتقدمان بخطى تدعو للإعجاب حقا. وقد يقوم المؤرخون فيما بعد بمقارنة هذا الانفجار الاقتصادي الحادث فيهما، بصعود مدينة أمستردام في القرن السابع عشر، أو بالتقدم العظيم للصناعات الألمانية قبل عام 1914، أو بتحولات الاقتصاد السوفيتي في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة. فمع التحولات الاقتصادية العالمية التي تتم في العالم الآن، فإن ما يحدث في رأيي ليس "تسطيحا" وإنما اضطرابات، وقلاقل، ومخاوف من فقدان الأرض أمام الدول الأخرى، وطموحات للحصول على أراضٍ جديدة. فبالإضافة إلى التحولات المالية والتجارية، التي يعتبرها طلاب الاقتصاد السياسي نوعا من قانون النمو الاقتصادي غير المتساوي، فإن هناك أيضا العداوات الاقتصادية الشديدة المتخلفة عن هذا الوضع. السبب في ذلك أنه في هذا الكوكب المتعولم الذي نعيش فيه، هناك مزيج يذهب بالعقل من الشكوك والغضب.
في الوقت الراهن أعتقد أننا في عالم مضطرب حقا، فالمستنقع الذي أوقعنا أنفسنا فيه في أفغانستان وا