أجواء السياسة السودانية هذه الأيام لا تدعو للتفاؤل. وبصيص الأمل الذي تعلق به كثير من الناس في الأسابيع الماضية، بأن تنفرج الأمور ويصل السودانيون -المعارضة والحكومة- إلى اتفاق يخرج السودان من أزماته الحادة هذه، بدأ يتبدد بعد أن عقدت لجنة الدستور اجتماعها الافتتاحي يوم السبت الماضي، وقد غابت عنه المعارضة الشعبية ذات الوزن الكبير - التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الأمة القومي.
وزاد الأمر سوءاً تلك التصريحات والأحاديث الصحفية والتلفزيونية عالية النبرة وحادة الصوت التي صدرت عن بعض مسؤولي الحكومة الذين كلفوا بالتفاوض مع التجمع الوطني في القاهرة حتى قبيل جلوسهم إلى مائدة التفاوض.
لقد ارتفعت روح التفاؤل لدى كثير من أهل السودان بعد توقيع اتفاق القاهرة بالأحرف الأولى بين السيد رئيس التجمع ونائب الرئيس السوداني، وتصور الناس أن الأمور ستسير نحو غايتها المرجوة، ويوقّع الاتفاق النهائي بين الطرفين وأن تُحسم عقدة اللجنة القومية للدستور وتُشكل اللجنة بصورة قومية فعلاً وممثلة لكل أطراف الحركة السياسية بالتراضي والاتفاق, حتى يأتي الدستور المقترح مشمولاً بموافقة سودانية شاملة وكاملة، وحتى تنزاح عن كاهل السودان أجواء التوتر الحادة التي تسوده الآن.
فالحكومة والحركة الشعبية والوسطاء الخيّرون يعلمون جيداً - لو قرأوا مسيرة السودان في الخمسين عاماً الماضية- أن دستوراً يراد به تحديد تشكيل السودان الجديد لا يمكن أن يكون من صُنع طرفين من أطراف الجسم السوداني الكبير والمتعدد الأطراف. فتجارب الماضي المؤلمة علمتنا أنه بدون توافق السودانيين جميعاً على اتفاق يحقق على الأقل الحد الأدنى للطموحات والآمال المشروعة لكل طرف من أطراف الطيف السياسي والاجتماعي والأثني، أن مثل هذا الاتفاق لن يكتب له النجاح.
إن أي اتفاق ثنائي أو ثلاثي يغيّب أو يلغي متعمداً بقية الأطراف مصيره الإنكار من الآخرين. وهذه ليست مقولة إنشائية ولكنها حقيقة واقعة لمن يعرف الحقيقة الجوهرية للمشكلة السودانية. ولعل أولى الناس بإدراكها هم الإخوة في الحركة الشعبية، ولعلهم يذكرون مقولة الدكتور جون قرنق الشهيرة عن اتفاقية أديس أبابا التي وقعت بين المشير جعفر نميري واللواء جوزيف لاقو!
ووسطاء الخير الذين يحاولون الآن حل عقدة لجنة الدستور يفعلون خيراً للسودان، لو وجهوا جهدهم المشكور لـ"إقناع" الحكومة بأنه ليس من مصلحة السودان في شيء أن يغيب عن وضع دستوره غالبية أهل السودان ممثلين بالتجمع الوطني الديمقراطي وحزب الأمة القومي. في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الوطن السوداني، يكون التفكير في تحقيق المكاسب الحزبية الضيقة جريمة في حق الوطن والشعب, يجب أن يترفع عنها القادة السياسيون.
فالدستور ليس مسألة يومية عابرة من مسائل السياسة, إنه مصير بلد وشعب يتوق إلى مستقبل واضح المعالم ومحدد الأطر، يتقبله الجميع ويرون فيه قوميتهم وقد تحددت بالتراضي والتسامح والتصالح الوطني الذي ليس حكراً على حزب أو قيادة أو جماعة سياسية واحدة...