في العدد الثالث لتقرير "التنمية الإنسانية في العالم العربي"، الكثير من التعميمات، سواء في وصف حال الحرية في هذه المنطقة، أو في تشخيص المعضلات الكبرى التي تعوق الإصلاحات الديمقراطية. ولكن هذا التقرير الذي صدر في الشهر الماضي والمعنون "نحو الحرية في العالم العربي"، يحوي بالمقابل، تحليلات واستنتاجات مهمة في هذه اللحظة التي تقف فيها منطقتنا على مفترق طريقي الإصلاح ومن ثم التقدم، والركود الذي يكرس التخلف. ومن أهم ما طرحه التقرير في هذا السياق تحذيره من أن السياسة الأميركية التي تدعو إلى الإصلاح العربي ربما تعرقل هذا الإصلاح من الناحية الفعلية لسببين أحدهما صحيح وهو انحيازها الكامل لإسرائيل، والآخر خطأ أو على الأقل محل نظر وهو احتلالها العراق.
فالتقرير، الذي لم يميز بين حالتين مختلفتين تماماً في فلسطين وفي العراق، أصاب في حكمه العام على تأثير السياسة الأميركية على امكانات الإصلاح في العالم العربي. ولكنه لم يقدم تأصيلاً لجوهر معضلة التعارض بين سياسة واشنطن تجاه إسرائيل وإزاء الإصلاح العربي. فالمشكلة أبعد بكثير مما ذكره التقرير، وهو أن الاحتلال يوفر ذرائع لتأجيل الإصلاح ويدفع الإصلاحيين إلى تحويل بعض طاقاتهم بعيداً عن المسار الإصلاحي ويدعم الإرهاب. فهذه النتائج التي رآها معدو التقرير مترتبة على السياسة الأميركية وهي أقل أهمية مقارنة بالثقافة اللاديمقراطية التي تنتج عنها.
فالانحياز الأميركي يقوي إسرائيل ويشجعها على المضي قدماً في انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني. وفي عصر ثورة الاتصالات، حيث يتابع الناس هذا الانتهاك على شاشات التلفزيون يومياً، يتراكم أثره السلبي لدى أعداد متزايدة من المواطنين في بلادنا العربية ألماً لمعاناة الفلسطينيين وغضباً على إسرائيل وأميركا. وهذا الغضب، يُنتج، في بيئة سياسية- اجتماعية يسودها الركود، ثقافة أحادية تقبل استبداد الحاكم أو السياسي الذي يرفع أشد الشعارات عداء لإسرائيل وأميركا. هذه الثقافة، الحاضنة بطابعها للتطرف الديني والقومي، هي نقيض الثقافة الديمقراطية التي تقوم على الحوار والتعدد وقبول الآخر والتنافس السلمي بين برامج وسياسات محددة، وليس شعارات وخطباً زاعقة.
كما أن الانحياز المستمر لإسرائيل خلق استياءً شديداً تجاه السياسة الأميركية وكل ما يصدر عنها يصل أحياناً إلى مستوى العداء. فإذا دعت إلى الإصلاح الديمقراطي، استقبل كثير من العرب دعوتها بحذر بل استهجان ورفض. ولذلك أصبح ممكناً لأي حكومة عربية تريد الإفلات من استحقاقات الإصلاح الديمقراطي أو إبطاء معدلاته أن تلجأ إلى "فزّاعة" الضغط الأجنبي لتخويف مواطنيها من الأهداف "الخفية" لأولئك الذين يريدون فرض الإصلاح من الخارج. ومن هنا العلاقة بين دعم إمكانات التطور الديمقراطي العربي ومراجعة واشنطن سياستها المنحازة لإسرائيل، فهذه المراجعة ضرورية لتحسين البيئة السياسية- الاجتماعية المراد تحقيق الإصلاح فيها وجعلها أكثر قابلية لإنتاج ثقافة ديمقراطية تجعل هذا الإصلاح ممكناً ومستداماً.
غير أنه ليس ثمة ما يدل على أن هذه المراجعة يمكن أن تكون واردة في أي مدى منظور، لأن صانع القرار الأميركي لا يرغب في أن يرى الواقع العربي المراد تغييره كما هو. وحتى عندما يبدو أن تقدماً بدأ يحدث في اتجاه إدراك حقائق هذا الواقع، سرعان ما يتبين أنه تقدم جزئي طفيف لا يفيد ولا يغير في الأمر شيئاً. وآخر مثال لذلك هو حديث الرئيس جورج بوش، في مؤتمر صحفي عقده في 16 مارس الماضي، عن أن بعض الاستياء الذي تعبر عنه وسائل الإعلام العربية من السياسة الأميركية (ناتج عن تحالفنا مع إسرائيل).
وبالرغم من أن الإقرار بذلك علناً للمرة الأولى مهم من حيث المبدأ، فهو يفتقد أي أهمية على الصعيد العملي. فثمة فرق جوهري بين التحالف الذي تحدث عنه بوش، والانحياز الذي يمثل مستوى أعلى بشكل نوعي. فالصداقة والتحالف أمران منطقيان في السياق العام للعلاقة الأميركية- الإسرائيلية التي تختلط فيها المصالح بالعواطف. أما الانحياز الكامل فهو ليس منطقياً، ولا طبيعياً، عندما يؤدي إلى تكريس انتهاك الشرعية الدولية واستمرار وازدياد الاستياء العربي تجاه السياسة الأميركية. وعلى كل حال، فقد حسم بوش الأمر برمته، في المؤتمر نفسه، عندما قال: وبما أننا لن نتخلى عن تحالفنا مع إسرائيل، سيكون هناك بعض الاستياء في الصحافة العربية.
ولم يخطر في بال الرئيس الأميركي أن هذا الاستنتاج الذي خلص إليه يساوي تقريباً استنتاجاً آخر يمكن أن نصل إليه، وهو: بما أن واشنطن لن تتخلى عن تحالفها مع إسرائيل، ستكون هناك مشكلات كثيرة في طريق الإصلاح الديمقراطي العربي.
ولأن هذا الاستنتاج الأخير ما زال بعيداً عن صانع القرار الأميركي ولا ينسجم مع طريقة تفكيره، فهو لا يفكر -كذلك- في الأثر الفادح لانحيازه إلى إسرائيل على الوضع الراهن في البلاد العربية التي يمكن أن تشرق فيها شمس الإصلاح. فالدور المعوق للديمقراطية، الذي يلعبه الانحياز الأميركي لإسرائيل، موجود ف