النتيجة بعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات حول مستقبل العملية السياسية الفلسطينية هي: حماس 2 - محمود عباس1.
إن سياسة كسب الود التي اتبعها الرئيس الفلسطيني مع حماس كحزب سياسي، أدت إلى تجنب إراقة الدماء في المدى القصير، ولكنها أدت أيضا إلى تعزيز شرعية تلك المنظمة، دون أن تؤدي إلى تقليص حجم ترسانتها من الأسلحة أو قدراتها المسلحة. وهذا الإخفاق في التوصل إلى اتفاق واضح على نزع السلاح أو على سلطته، هو الذي يسيطر على ذهن عباس حاليا. فالرجل لا يزال حتى الآن أسيرا لنزوات حماس، ولتهديد الفيتو السياسي الذي تشهره في وجهه وهو: العنف.
إن الوقت لم يتأخر كثيرا بالنسبة لعباس، ولكن عليه العمل بحسم من أجل تأسيس حكم القانون داخل المجتمع الفلسطيني الذي ابتلي بالفساد، والعنف، وغياب القانون. من الأدلة على ذلك قيام إحدى جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لمنظمة حماس بإطلاق الرصاص على شابة فلسطينية تبلغ من العمر 22 عاما كانت تتمشى مع خطيبها على شاطئ غزة، وقيام مسلحين غاضبين من منظمة فتح التي يرأسها عباس بالتلويح بالأسلحة أمام عباس نفسه وأمام وزير داخليته في أكثر من مناسبة. وقبل أسبوعين قام بعض هؤلاء المسلحين باقتحام مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني في محافظة جنين.
رغم الانتخابات البلدية الناجحة، والجهود الرامية لترسيخ النظام، تظل الأراضي الفلسطينية على حافة الفوضى الشاملة. والفلسطينيون إذا ما أرادوا مستقبلا إقامة الدولة المستقلة القادرة على الحياة، فإنه يجب عليهم أولا ترسيخ حكم القانون، الذي يعني أن تكون أجهزة الدولة هي الوحيدة التي يحق لها حمل السلاح، واستخدام القوة.
إن تلك المباراة القائمة بين عباس وحماس تتكون من عدة جولات. وخلافا للرأي السائد، فإن إقناع حماس بنزع سلاحها، يجب أن يكون هو الجولة الأخيرة في هذه العملية. أما الجولة الأولى فيجب أن تكون ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل. فحماس لن تبدأ في التفكير في التخلي عن سلاحها، طالما هناك جماعات مسلحة ذات صلة بمنظمة فتح تعيث فسادا دون ضابط ولا رابط. فهذه الجماعات ظلت لفترة طويلة للغاية تتصرف وكأنها فوق القانون، وتقوم بتحدي سلطة الرئيس، وابتزاز السكان وإرهابهم.
لقد أخطأ عباس في تقدير تأثير هذه الفوضى داخل منظمة فتح، عندما جعل التوصل إلى اتفاق مع حماس هو أولويته الأولى. فهذه الفوضى هي التي أضعفت موقفه التفاوضي، كما أدت إلى تحقيق الإسلاميين لمكاسب مهمة في الجولات الأولى من الانتخابات البلدية.
إن استعادة النظام داخل منظمة فتح، ترتبط ارتباطا جذريا بالموضوع الأوسع نطاقا الخاص بالإصلاح الأمني. إن تحركات عباس، نهاية الأسبوع الماضي، من أجل تغيير الأجهزة الأمنية تعتبر خطوة في الاتجاه السليم. ولكن الإعلان عن إجراء إصلاحات في الأجهزة الأمنية أصبح أمرا روتينيا، مما يعني أنه قد يتعين علينا الانتظار كي نرى فعلا ما إذا كانت هذه التغييرات سيكون لها تأثير دائم أم لا. ومما يحسب لعباس أنه تحرك بغرض إرغام مئات من الضباط على التقاعد المبكر، وأنه قام باستبعاد القادة غير الأكفاء، واستبدالهم بآخرين من جيل أكثر شباباً. وهو يحاول أيضا استيعاب بعض المسلحين المتذمرين التابعين لفتح، داخل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. وهو بحاجة حين يقوم بذلك، إلى التأكد من أن ثمن دخول هؤلاء في تلك الأجهزة هو الالتزام بالبعد عن أي ممارسة من ممارسات الفساد السابقة، كما أنه بحاجة أيضا للقيام وبلا رحمة بطرد الضباط الأمنيين الفاسدين المتورطين في أنشطة إجرامية أو في التكسب من وظائفهم من الخدمة. سيحتاج عباس أيضا إلى أن يؤكد لحماس وللجماعات الفلسطينية الأخرى أنه يرحب بالتحاقهم بالقوات الأمنية تحت نفس هذه الشروط.
وعندما تقوم فتح بنزع أسلحتها، فإن حماس ستكون مطالبة حينئذ بالتماشي مع الإجماع الفلسطيني. وبعد موافقة حماس على المشاركة في الانتخابات البرلمانية السابقة، فإنه يجب أن يتم إقناعها بتبني مجموعة جديدة من القواعد. وموقف حماس بشأن موضوع نزع السلاح، سيلقي الضوء على النوايا المستقبلية للحركة. فالإخفاق في احترام حكم القانون، والالتزام بنزع السلاح، سيعتبر إشارة واضحة على أن حماس تنوي اللجوء إلى العنف، أو على الأقل، للتهديد باستخدام العنف في المستقبل.
وعباس بحاجة الآن إلى إعادة الحيوية إلى جسد فتح، عن طريق جعلها تخوض الانتخابات باعتبارها الحزب أو الجهة التي تتصدى بأقصى قدر من الحزم للفساد والتي تدعو إلى سيادة حكم القانون. ويجب أن يقوم أيضا بإظهار أن أي محاولة تقوم بها حماس لاستخدام العنف ستعتبر هجوما على حكم القانون وعلى الوحدة الفلسطينية. ويجب على عباس أن يوضح ما هو المقصود بالإجماع الفلسطيني الجديد، وأن يتصرف بشكل حاسم ضد هؤلاء الذين يسعون إلى استخدام العنف لتخريب ذلك الإجماع.
في النهاية ستقوم بعض العناصر من حماس وفتح وغيرهما بمقاومة سلطة عباس. وفي مثل هذه الحالة، لن يكون أمامه من سبيل سوى التعامل بحسم مع تلك العن