يشهد المجتمع الخليجي في الآونة الأخيرة، موجات من التشدد والتطرف، تختلف شدة ومظهراً من بلد إلى آخر، هناك أعمال إرهاب وتمرد في أكثر من بلد خليجي، وهناك تضييق على حريات التعبير وقضايا ضد الصحافة وصلت إلى المحاكم، وهناك فتاوى التكفير التي لم ينج منها أحد، بدءاً من الكتاب إلى الفنانين، وهناك التحريض المستمر ضد الآخر عبر بعض الفضائيات التي تبث أشرطة العنف من غير أي تمحيص أو نقد متوازن، وهناك مواقع التطرف الأصولية عبر شبكة الانترنت، وهناك عنف دفع بعض الآباء للتخلص من أبنائهم، هناك توتر عام يدفع بعض الشباب إلى أحضان الإرهاب ويجعل خطاب أهل الاعتدال يتماهى ويتقاطع مع خطاب المتطرفين.
كل هذا التشدد دخيل على أهل الخليج، وغريب على طبيعته، لقد تعايش الآباء والأجداد ورغم قسوة الحياة في مصالحة مع النفس ومع الغير، وتعاملوا مع مختلف الشعوب والثقافات تعاملاً إنسانياً - بدون عقد وهواجس- تجارة وترحالاً وتصاهراً. فما الذي جرى لمجتمعنا؟ ولماذا أصبح بعض شبابنا يستحب الموت على الحياة؟ ما الذي جعلهم متوترين، ناقمين، كارهين، عدائيين؟ لماذا أصبح بعض شبابنا وراء معظم العمليات الانتحارية؟
في تصوري أن المجتمع الخليجي، يقذف الآن، أسوأ ما في أحشائه من فكر وموروث تعصبي، قمعي، مكبوت، رافض للتغيرات المتسارعة التي تشهدها الدول الخليجية بفعل مطالب الإصلاح واستحقاقاته، وضغوط الخارج وإلحاحاته. هذه النوازع التعصبية والأفكار القمعية، تم زرعها وترسيخها في البنية المجتمعية على امتداد سنين طويلة، عبر تيارين أو مدرستين فكريتين: داخلي وخارجي، تمكنا من الاستئثار بجميع منابر التعليم والخطاب الديني والتوجيه الثقافي والسياسي، في الوقت الذي تم فيه إقصاء الرأي الآخر المتسامح والمنفتح على الغير.
أما التيار الداخلي فقد أتى من داخل الجزيرة العربية ممثلاً في الفكر السلفي التكفيري، وتم ترويجه عبر المنابر والمدارس ومراكز الدعوة، وهو فكر قمعي، إقصائي، تشكيكي، اتهامي، يرى نفسه الوحيد الناجي وكل المسلمين في ضلال، وقد اتخذ من "العنف" وسيلة لنشر فكره ومعتقده، لا يعرف شيئاً عن احترام حقوق الإنسان أو الأقليات المذهبية أو الدينية أو احترام حقوق المرأة إذ هي وسيلة لإمتاع الرجل وآلة للتناسل لا غير.
وأما التيار الخارجي الوافد، فهو تيار الإسلام السياسي الذي ولد -خارج الخليج- نتيجة صراع الجماعات المُسيّسة مع أنظمتها، وهو تيار اصطدم بالسلطة هناك وهرب لاجئاً إلى الخليج وخلق توتراً سياسياً بين أهله واتخذ من الخليج ميداناً لصراعاته وتصفية حساباته مع خصومه السياسيين. وفكر هذا التيار يقوم على أيديولوجية الصراع مع الغرب وأميركا، وعداء الحضارة الغربية والحطّ من شأنها وتحميل الغرب مسؤولية تخلّف الأوضاع العربية، وهو فكر اتهامي، تشكيكي، ارتيابي، متلوّن يتهم الأنظمة السياسية والحكام بالتبعية للخارج، ويتهم المدافعين عن فكر التنوير والعقلانية ونقد الذات بأنهم عملاء للخارج.
لقد ابتلي المجتمع الخليجي بهذين التيارين، الأول "يكفّر" والثاني "يخوّن" في ادعاء شمولي يحتكر الدين والوطنية ويُقصي الآخرين، وقد أثمر تحالف هذين التيارين وعلى امتداد سنوات طويلة ونتيجة التمكين لهما، أثمر هذا التحالف والغرس، هذه الثمار المرة والمسحوقة التي يعاني منها المجتمع الخليجي الآن.
ما هي الجذور الفكرية المرة التي نجح في زرعها هذان التياران؟
1- الغلوّ في التعصب على حساب مبدأ "المواطنة": إذا كان الخوارج القدامى هم النموذج الأبرز للتعصب إلى درجة الموت فإنهم يشكلون السلف الصالح للخوارج الجدد وللمتطرفين من أنصار تيار "التكفير" و"التخوين".
والغلو في التعصب، غلو في الاستعلاء وكراهية المختلف لدرجة إقصائه وتصفيته.
2- تشويه مفهوم الأمر بالمعروف وتغيير المنكر: لقد فرض الفكر القمعي وصايته على أهل الخليج عبر التوسع في التحريم والتقييد وإرهاب الرأي الآخر والتضييق على الناس. وشَرْعَنَ الفكر القمعي "العنف" وسيلة لتغيير المنكر وسلاحاً ضد السلطة الشرعية وإرهاب الآمنين.
3- التصور الطوباوي لدولة الخلافة: يقوم فكر الجماعات المتشددة والمسيّسة على تصور ضبابي خيالي لدولة الخلافة، فهم إذ لا يرون شرعية النظم القائمة فإنهم يعمدون إلى استنساخ دولة الخلافة التاريخية متمثلة في نموذج "حكومة طالبان" المقبورة، هكذا أعلن كبار مشايخ التكفير والإرهاب في السعودية وغيرها.
4- التصوّر التآمري للآخر الغربي: نجح أصحاب الفكر الشمولي والتكفيري - وعبر المناهج والمنابر- في تصوير الغرب، عدواً، صليبياً، حاقداً، متآمراً، لا همّ له ولا شغل لديه إلا وضع المخططات التآمرية على المسلمين، يقف الخطيب على المنبر صارخاً:
انظروا كيف يذبحون المسلمين في كل مكان: في الشيشان، في أفغانستان، في الفلبين، في العراق؟ ويستمر في التحريض دون أن يبصّر أو يبين للناس أن هؤلاء الذين وقع عليهم العذاب فعلوا ما استوجب نزول العذاب بهم وأنهم ليسوا أبرياء. هل من مهمة الخطيب أن ي