بدلاً من أن تعزز امتياز الدبلوماسية الروسية في منطقة الشرق الأوسط, أسفرت الجولة الأخيرة التي قام بها الرئيس فلاديمير بوتين بين كل من مصر وإسرائيل وفلسطين, عن تعريض النفوذ الروسي في المنطقة للضعف والهزال. وعلى الرغم من أن تلك الجولة قد وصفت بأنها "تاريخية" لكونها الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس روسي للمنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي, إلا أنها كشفت على نقيض ذلك, عن مدى انحسار تأثير الدبلوماسية الروسية على مجرى الأحداث الدولية منذ انهيار الدولة السوفيتية. يذكر أن موسكو كانت تعتبر لاعباً أساسياً في المنطقة طوال فترة الحرب الباردة. وتعود تلك الأهمية إلى كون الاتحاد السوفيتي كان يعد وقتها الدولة الأولى التي تمد عدداً من الدول العربية بالأسلحة, فضلاً عن كونه قطباً موازياً لثقل التحالف الأميركي الإسرائيلي. بيد أن انهيار الاتحاد السوفيتي, وما تبعه من انهيار للتجربة الاشتراكية برمتها, قد وضع حداً لكل ذلك.
وبموجب هذا التحول, فقد انضمت إلى معسكر الصداقة والتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية اليوم, كل من مصر والعراق والجزائر واليمن, وهي عينها الدول الصديقة والحليفة الأولى للاتحاد السوفيتي بالأمس. وفوق ذلك, فقد توغلت الولايات المتحدة بنفوذها بعيداً في آسيا الوسطى, التي كانت محمية سوفيتية ذات يوم, في حين انضمت دول وسط وشرق أوروبا إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي, بعد أن ظلت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي لما يزيد على الأربعة عقود. وعلى إثر هذا الانحسار الذي لحق بالدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط, فإنه لم يبق أمام الولايات المتحدة الأميركية من تحديات كبيرة ومنافسين رئيسيين لها, عدا كل من سوريا وإيران, إضافة إلى اللاعبين غير الحكوميين من أمثال حزب الله اللبناني وحركة التمرد في العراق. وبالطبع هناك في الجانب الراديكالي من الطيف السياسي الشرق أوسطي, شبح أسامة بن لادن ومقاتليه في تنظيم "القاعدة".
هذا ويسعى الرئيس بوتين إلى إعادة بلاده إلى حلبة النفوذ الروسي على السياسة والسلطة الشرق أوسطية مجدداً. لكن بالنظر إلى النتائج التي حققتها جولته الإقليمية في المنطقة الأسبوع الماضي, فإن هذا المسعى يبدو متواضعاً وبعيداً عن إصابة الهدف المنشود. ففي كل خطوة خطاها بوتين, قفزت في وجهه أميركا وإسرائيل, كي تذكراه باستمرار بضآلة ومحدودية الدور الروسي في هذه البقعة من العالم. ولنضرب لهذا مثلاً بالقاهرة التي شكلت المحطة الأولى في الجولة التي قام بها الرئيس بوتين. فضمن مسعاه لإعادة روسيا إلى مسرح النفوذ والتأثير الدوليين, أعلن بوتين عن استعداد بلاده لاستضافة مؤتمر دولي للسلام الإسرائيلي- الفلسطيني, يعقد في موسكو قبل نهاية العام الجاري. بيد أن واشنطن وتل أبيب بادرتا من جانبهما إلى صب ماء بارد على تلك المبادرة, فأطفأتاها على الفور, وأرغمتا بوتين على التراجع المذل عن اقتراحه. وفي محاولة منه للتخفيف من وطأة الحرج, بادر سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي إلى القول, إن بوتين قد أسيء فهمه, وإن كل الذي كان يرمي إليه هو عقد اجتماع أو لقاء للخبراء في عاصمة بلاده.
غير أن الذي لم ينتبه إليه لافروف هو أن الاقتراح – وإن جاء معبراً عنه صراحة في هذه الحدود الأخيرة لا أكثر- يبدو كثيراً جداً في عين واشنطن, التي تنظر إليه على أنه محاولة من جانب موسكو للتطاول عليها. ففي تصريح صحفي لها لشبكة "إن بي سي" الإخبارية, قالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية: سنعقد اجتماعاً للرباعية الدولية على مستوى وزراء خارجية الدول الأعضاء في الرباعية, في موسكو خلال الثامن والتاسع من شهر مايو الجاري, وسيتوافق موعد انعقاد ذلك الاجتماع مع الاحتفال بذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية الذي يرعاه الرئيس بوتين. وفي وسع الروس أن يكونوا طرفاً في عملية السلام الشرق أوسطي بهذا المعنى. وبذلك تكون رايس قد أعادت بوتين إلى "ماعونه" وحجمه الطبيعي!
بيد أن هذه الحادثة بحد ذاتها, تعكس التناقضات الرئيسية والحادة بين أولئك الذين يريدون للعرب والفلسطينيين اغتنام هذه الفرصة السانحة، والمضي بها قدماً باتجاه عقد مفاوضات سلام مؤدية إلى وضع حد للنزاع, وبين أولئك المتمسكين بقناعتهم بأن الوقت لم يحن بعد لبدء مفاوضات كهذه. ففي المعسكر الأول من هذا التناقض, هناك الفلسطينيون والسوريون والأوروبيون وروسيا. أما في المعسكر الثاني, فهناك الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تدعم فيها واشنطن تلكؤ رئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون, الذي يبدو أكثر انشغالاً بتنفيذ خطة انسحابه من قطاع غزة, على أمل سد الطريق أمام خطة الطريق التي تتبناها الرباعية الدولية, ووأدها في مهدها. فمن جانبه لا يريد شارون التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع بينه والفلسطينيين, طالما أن تسوية كهذه, سترغم بلاده على الانسحاب من هضبة الجولان السورية, إلى جانب الانسحاب من الجزء الغالب من أراضي الضفة الغربية. على نقيض ذل