تتواصل الأوضاع غير المسبوقة في أسواق المال المحلية، مدفوعة بالنتائج الإيجابية الكبيرة لبعض الشركات القيادية وبشكل أساسي بمستويات السيولة العالية التي تبحث عن منافذ استثمارية جديدة، وبتدافع شريحة من المتداولين والمستثمرين، ينقصها الوعي الاستثماري الكافي لمعرفة الأسعار العادلة لأسهم الشركات المدرجة. ومع بدايات الربع الثاني من هذا العام، وصلت أسواق الأسهم المحلية إلى حالة "اللامعقول"، متجاوزة المستويات الحقيقية لأسهم الشركات بمعدلات خطيرة، حيث حقق مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية أعلى مستوى له منذ إشهاره، بينما سجل سوق دبي هو الآخر، أكبر قيمة تعاملات شهرية له منذ إنشائه. ولا توجد حتى الآن خطوات جادة لإيجاد أدوات استثمارية جديدة تستقطب جزءاً من السيولة الفائضة في السوق، ويكون عائدها الاستثماري أعلى من أسعار الفائدة البنكية، التي لا تتجاوز حاليا 75ر2% على الدولار والعملات المرتبطة به، وهو ما يقل كثيرا عن مستوى التضخم في الدولة.
وخلال الأسبوع الماضي استقطبت عملية الاكتتاب الأولية في أسهم شركة آبار للاستثمارات النفطية نحو 394 مليار درهم، بتغطية المبلغ المطلوب بنحو 800 مرة، متجاوزة إجمالي الناتج المحلي للدولة بأكمله، حيث قدم أكثر من 87 ألف مستثمر طلبات للاكتتاب في أكثر من 495 مليون سهم في الشركة. وهكذا تظل السيولة تتدفق إلى هذه السوق، مما يشير إلى تواصل دوامة الارتفاعات لفترة من الزمن يصعب التنبؤ بها، قبل أن يصبح مصيره مهددا، أو في أحسن الحالات يواجه عمليات تصحيح قصير الأجل تتسبب بدورها في خسائر كبيرة لصغار المستثمرين، بعد أن ظلت هذه السوق تحقق ولأربع سنوات متتالية أحلام الكثير من المغامرين في جني أرباح طائلة وسريعة. وفي كلتا الحالتين لن يسلم القطاع المصرفي المحلي، الذي يقدم قروضا ضخمة للمستثمرين للاكتتاب في أسهم الشركات متجاوزا تعليمات مصرف الإمارات المركزي. بل إن هذا القطاع ربما يكون الأكثر تصدعا وتأثرا بنتائج أي هزات تصحيحية في أسواق الأسهم. ورغم التحذيرات الصادرة عن بعض التقارير الأجنبية المحايدة حول الارتفاعات "غير الواقعية" والمستمرة في أسعار أسهم الشركات المدرجة في الأسواق المحلية، والتوسع المطرد في قاعدة المستثمرين والمضاربين في ظل محدودية فرص الاستثمار البديلة، وانخفاض مستوى الوعي الاستثماري، إلا أن السلطات الرسمية لم تتحرك بعد لشرح حقيقة ما يحدث في هذه السوق، أو على الأقل، التحذير من المبالغة في الانجراف وراء الصعود المتواصل لهذه الأسواق. كما أن درجة التركيز العالي في هذه الأسواق، وتدني مستوى الشفافية، تعتبر عوامل تضيف مزيدا من مخاطر هذه السوق. ولذا فإن السلطات النقدية والمالية مطالبة بممارسة دورها الفعلي في تحمل مسؤوليتها وضبط ما يحدث، أو على الأقل تبريره. ففي ظل سوق تحكمه تحالفات كبيرة من المضاربين، وتراجع الشفافية، لابد من إيجاد جهة محايدة لتقييم الأسعار الحقيقية والعادلة لأسهم الشركات، وتحسين نوعية المعلومات المتاحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية