منذ سنوات التأسيس الأولى ارتبطت التجربة الناجحة لدولة الإمارات العربية المتحدة ارتباطاً وثيقاً بالعقلانية والوسطية، شعاراً وممارسة. ومن خلال تبني هذا المنهج استطاعت الدولة الاتحادية أن تؤسس لتجربة رائدة من روافدها الاستقرار والانفتاح، وعلينا في الفترة القادمة مقابلة التحديات الكونية الجديدة والمتسارعة بتبني الشفافية كركنٍ أساسي من أركان العمل السياسي والإداري والاقتصادي.
والفترة الذهبية التي تعيشها الإمارات في أيامها هذه، ما هي إلا ثمرة جهود طموحة وعمل مخلص ورؤية منفتحة عاقلة، وأما تثمين العالم العربي والأجنبي لتجربة الإمارات والإشادة بها كتجربة رائدة فمصدر فخر لنا نحن أبناء هذا البلد الصغير في حجمه والكبير بمقامه وبرجاله. وعلى أكثر من صعيد نجد أن المؤشرات مشجعة من ناتج محلي قياسي إلى سجل إيجابي لحقوق الإنسان في الدولة واحترام لموقع الفرد من خلال نظمنا وممارساتنا، ومن جهة أخرى نرى أن المنطقة العربية حولنا تعيش تحدياً رئيسياً يستهدف استقرارها من خلال التطرف المتزمت وخلايا العنف المنظم، وفي هذه الأجواء المتشنجة نحافظ هنا في الإمارات على استقرارنا وندعو العليم القدير أن ننجح في هذا المسعى.
وكما ذكرنا في مقدمة حديثنا هذا، فالاستمرار في طريق النجاح يتطلب منا في المرحلة القادمة ملازمة طريق السياسات العقلانية وتبني الشفافية في كافة المجالات، فحين نبلغ من النجاح ما بلغناه ندرك أن المقاييس التي يقيسنا بها العالم ستتغير، وهي فعلاً بدأت تتغير، والمقاييس الجديدة ستكون أكثر صرامة ودقة ولكنها أيضاً مقاييس النجاح ومقاييس الصف الأعلى من تجارب الدول.
والمتابع للصحافة الدولية يجد العديد من الإشارات التي تتناول دولة الإمارات وأحياناً بشكل شبه يومي، وجزء كبير من التغطية إيجابي ومنصف، ولكن بالمقابل بدأت الصحافة الدولية تقيسنا بالمقاييس الجديدة والتي تحدثنا عنها متناولة العديد من الجوانب التي لابد من تحديثها في تجربتنا، أو في حالات أخرى ظواهر وإفرازات وليدة الممارسة والتطبيق. فبعض هذه التقارير تشير إلى أوضاع العمالة وأخرى إلى انتقال الأموال والأشخاص من خلال مدننا المنفتحة والمفتوحة إضافة إلى تعليقات وتحليلات تتناول نظامنا السياسي ونظمنا الإدارية والقانونية والاقتصادية.
وهذه التقارير الصحفية والمتابعة الإعلامية يجب أن نفهم أنها جزء من ضريبة النجاح الذي حققناه ونقلنا من مصاف الدول البترولية الصغيرة حجماً إلى التجربة الإقليمية والعربية الناجحة. وأما التعامل مع العالم اليوم، كي لا اختزل ما يجري بالتصدي للتقارير الصحافية الدولية، فيجب أن يكون متزناً ومتوازناً وأن يسوده الإدراك الواعي أنه مع كل نجاح نحققه يكبر المجهر الذي يتناول الجوانب المختلفة في مجتمعنا سلبية كانت أم إيجابية.
ومن هذا المنطلق تشكل العقلانية والشفافية الأعمدة المهمة التي لابد أن نستند عليها، ومعنى الشق الأول الاستمرار في النهج الذي انتهجناه في تسيير علاقاتنا العربية والدولية وكافة أمورنا الأخرى من الشأن الاقتصادي إلى الاجتماعي وغيره، والعقلانية، قولاً وفعلاً، ضرورية للمرحلة القادمة تماماً كما كانت للمرحلة السابقة، فمن خلالها ندرك ما يجري عندنا وحولنا وتأتي ردة فعلنا مدروسة ومتأنية. وأما الشفافية فهي ضرورية لأن العيون المدققة عادة ما تسلط على النجاح وعلى تجربة تتطلع إلى العالمية، فلا يمكن أن تكون العالمية طموحنا ومقاييسنا مقاييس محلية أو مقاييس قديمة لا تواكب الزمن.
والتعامل بعقلانية يعني أن العديد من مشاكلنا لا تقبل التجاهل والتأجيل وعلى رأسها واقع ومستقبل التركيبة السكانية، فسياسة النمو الاقتصادي ارتبطت بنسب نمو سكانية تزيد على السبعة في المئة حسب أرقامنا الرسمية، وإذا استمرت هذه النسبة في النمو سيتضاعف عدد السكان خلال العشر إلى الخمس عشرة سنة القادمة ليصل إلى الثمانية ملايين نسمة، وهذه الحقائق هي التي دفعت وزير العمل الدكتور علي الكعبي في مقابلته مع تركي الدخيل ليحذر ويتوقع أن يشكل المواطنون نسبة أربعة في المئة من مجمل سكان الإمارات.
كما أن العقلانية والشفافية تعني تطوير التجربة السياسية لتواكب الجوانب الاقتصادية والثقافية والخدمية والتي نرى إنجازاتها حاضرة على مستوى الإمارات، والتوقعات في هذا الجانب كبيرة ومتفائلة، وإشارة سمو ولي عهد أبوظبي حول هذا الجانب في لقاء قصر الإمارات يبشر بتطور إيجابي على هذا الصعيد.
ونحن نتقدم للمستقبل بخطى ثابتة ونكمل مسيرة الإمارات الناجحة لابد لنا من أن ندرك أن المنهج الثابت والذي تبناه المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، لابد من أن ندعمه بأدوات وأطر حديثة للتعامل مع مستقبل يتبلور حولنا، وفي هذا المسعى لن نجد خيراً من العقلانية والوسطية منهجاً نتمسك به، والشفافية برنامجاً مستقبلياً نتبناه.