هناك حاجة ماسة إلى نقل صورة إنسانية عن الفلسطيني في الإعلام العالمي تغاير الصورة الطاغية الراهنة. سنوات الانتفاضة الثانية والاشتغال الإسرائيلي الذي لم يهدأ على تخليق وتسويق تشويهات مرافقة للفلسطيني وممثلة له رسمت صورة لا يمكن القول إنها إيجابية في كل جوانبها. فإلى جانب صورته كمقاوم لا يخضع للاحتلال ويقاتل أشرس جيش في المنطقة, كانت هناك صورة دائمة التكرار للفلسطيني الملثم بالسواد, القابض على الرشاش الذي يطلق الرصاص بمناسبة أو من دونها. وكانت هناك أيضاً شقيقتها صورة الانتحاري المزنر بالأحزمة الناسفة والذي يتقصَّد هدفاً غالبا ما يكون مدنياً. كانت الصور تتلاحق, على التلفزيون أو في الصحافة مثلاً, لتربط بين هذه الصورة (المسلح الملثم, الانتحاري الملتف بالحزام الناسف) وعشرات القتلى المضرجين بدمهم من المدنيين ركاب باص من الباصات أو مرتادي مطعم أو مقهى ما. كل الشباب الفلسطينيين, وهنا بيت قصيد العملية التشويهية, هم نسخ مكررة عن تلك الصورة. ليس هناك شباب فلسطينيون متعلمون, أو يعملون في مواقع عادية, أو يمارسون حياة طبيعية. لهذا لا تتوقف قصص ومرويات الفلسطينيين الذين يعيشون في الغرب أو يسافرون إليه وهم ينقلون انطباعات التعجب التي يصادفونها عند الغربيين عند معرفة "هويتهم الفلسطينية". فهؤلاء الفلسطينيون, سواء أكانوا طلاباً, أم أكاديميين, أم تجاراً, أم مجرد زوار عابرين, لا تنطبق عليهم صورة التنميط الإعلامية المشوهة, وهي صورة جبروتية في الوقت الحاضر. وهي أيضا غير محصورة على الفلسطينيين الآن بل تتسع لتشمل معظم العرب والمسلمين (صورة الإرهابي العربي المسلم التي نشرها بن لادن في أصقاع الأرض وأعوانه كالزرقاوي وغيرهم, والتقطها وسوّقها إعلام جورج بوش وحروبه العمياء ضد "كل من هو ليس معنا").
تشويه صورة الفلسطيني لم يتوقف عند الشاب – الرجل, بل إن الأم والمرأة الفلسطينية تشوهت صورتها هي الأخرى. فهي مجردة من عواطف الأمومة, هي تظهر على شاشات التلفزة العالمية تزغرد لموت ابنها, وتتقبل التهاني بمقتله. مثل هذه الصورة غير إنسانية على الإطلاق, وفيها تشويه لماهية الأم والأمومة وللعاطفة الطبيعية التي نتوقعها منها. ليست هناك أم تفرح لموت فلذة كبدها. طبعاً هناك أجواء تعبئة وتثوير تدفع بهذه الأم لأن تزغرد وتخدع مشاعرها الحقيقية وتعلن على الملأ خلاف ما يعتصر في قلبها, وخاصة خلال العزاء الكبير التي يحتوي على خطب وشعارات وإشادة بالشهيد وعائلته. لكن ما أن ينقضي ذلك حتى تظهر الأم الحقيقية التي لا يراها أحد, ولا يراها الإعلام.
في الإعلام العالمي تظهر صورة الأم الفلسطينية فرحة تزغرد على خلفية باص وأشلاء ممزقة لإسرائيليين قتلى, إلى جانب صورة الأم الإسرائيلية التي تنتحب على من فقدته. الصورة المفارقة هنا لا تخدمنا أبداً, وتقلب أصل الواقع. يصبح الضحية, الفلسطيني, جلاداً يتلذذ بقتل الآخرين, وتصل صرخته الظافرة بالقتل أقصى العالم. ويصبح الجلاد الإسرائيلي ضحية بريئة يصل صوت بكائها العالم بأسره. حادثة يتيمة علمت فيها أم فلسطينية بنية ابنها في تنفيذ عملية, وشجعته ولم تثنه عن عزمه, تناقلتها وسائل إعلام عديدة, وكتبت عنها مقالات وأبحاث, وتستخدم أيضا في قاعات المحاكم لتثبت أن الأم الفلسطينية "إرهابية" إذ أنها متواطئة مع ابنها في كل خطواته. مئات العمليات ومئات الحالات التي قام فيها مسلحون بتفجيرات من دون علم الأم أو الأب اللذين أعلنا الحزن الطبيعي على الابن المقتول, لا يُشار إليها.
أيضاً, وفي ذات السياق, يظهر الفلسطينيون في مجموعات غير منظمة من الشباب الغاضبين إما ضد الاحتلال أو ضد السلطة أو ضد أي شيء, يطلقون الرصاص في الهواء, شعثاً غبراً قليلاً ما يستدرجون التأييد والعطف. الإسرائيليون, الجنود المتوحشون على الأرض, يظهرون متحضرين, يتعاملون بعقلانية, وينعكس النظام في كل حركة من حركاتهم. وعندما يتحدثون إلى الكاميرا يتحدثون بدقة وباختصار ومن دون مطولات إنشائية طويلة. فلسطينيونا بحاجة إلى تدريب عميق حول كيفية التعامل مع الإعلام الغربي, وما هي الأفكار التي يمكن أن تصل وما هي الأفكار التي تضر بهم وبالقضية.
في برلين ذكر لي أحد الأصدقاء أنه أثناء حصار جنين, أو بعيده, خرجت مظاهرة عارمة ضمت عشرات الألوف لم يسبق أن شهدتها المدينة إزاء أية قضية عربية أو إسلامية في السنوات الأخيرة. قال إن المظاهرة كانت إنجازاً تاريخياً باهراً إذ ضمت ألماناً وجنسيات مختلفة, ونقلت الجرح الفلسطيني في جنين إلى واحدة من أهم العواصم الأوروبية. كما أدت إلى حنق حقيقي في أوساط اللوبيات الصهيونية في ألمانيا كلها. لكن كل ذلك الإنجاز والتحضير الطويل له بدا وكأنه ذهب أدراج الرياح بل وانقلب ضد الفلسطينيين أنفسهم. والسبب هو صورة تافهة لفتاة صغيرة كانت في المظاهرة كان أبوها الساذج قد ألبسها ثوباً قلد فيه لباس الانتحاريين حيث الحزام الناسف واللثام وغير ذلك. التقط صحفي ألماني صورة للطفلة الصغيرة بذلك اللباس المرعب, و