مضت سنة كاملة على كشف فضائح التعذيب في سجن "أبوغريب". طبعا لم نكن نحن –بمعنى نحن الصحفيون العرب- الذين نلنا سبق الكشف عن هذه الجريمة النكراء بحق الإنسان. وقطعا, اليوم ومع إعلان اللجنة الخاصة بالتحقيق في المسؤولين عن هذه الجريمة, نتائج تحقيقها الذي برأ الجنرال ريكاردو سانشيز ونوابه الثلاثة من مسؤولية ما حدث في "أبو غريب", لسنا نحن في العالم العربي, الذين نقيم الدنيا ولا نقعدها...بل الصحافة الأميركية وأعضاء جمعية "أمنستي" العالمية الذين يتظاهرون في برشلونة وغيرها من عواصم العالم مطالبين بإعادة التحقيق. ما حدث في "أبو غريب" - والذي ربما اعتبره أهل العالم العربي مقززا... ولكن "عاديا", إذ يحدث أكثر منه في السجون العربية- هز ضمير العالم "الحر", وكتبت فيه الصحافة الأميركية والأوروبية وجمعيات حقوق الإنسان تقارير لا تُحصى.
القصة فيها عناصر الجريمة مكتملة. فقد وقّع الجنرال سانشيز في 14 سبتمبر 2003 وكان يشغل يومها مركز القائد الأول في العراق على قرار يسمح فيه باتباع طرق عنيفة في التحقيقات مع المشتبه بهم تتنافى مع قرارات معاهدة جنيف, التي كان من المفترض أن تتبع في العراق. ومن جملة الاساليب التي "نصح" باتباعها الترهيب بالكلاب البوليسية وذلك كما جاء حرفيا في قراره لـ"استغلال خوف العرب من الكلاب", وقد شاهد العالم أجمع الصور التي خرجت علينا من "أبوغريب" والتي تفضح هذه الممارسات. إلا أن الجنرال وفي تحقيق معه أمام الكونغرس في 19 مايو 2004, كذب وقال وهو "تحت القسم": إنه لم يوافق على استخدام الكلاب أو غيرها من الأساليب التي شاهدناها في الصور. إلا أن القرار الذي يحمل إمضاءه واضح وصريح.
ما حصل في "أبو غريب", إمتد إلى معسكر "غوانتانامو" وغيره من المعسكرات الخفية التي يعذب فيها سجناء قد يكون كثيرون منهم أبرياء. وهذا الكلام ردده مسؤولون من الصليب الأحمر الدولي, وأعضاء من الـ"إف.بي. أي", رصدوا الجرائم ووثقوها ورغم ذلك وبقدرة قادر, خرج كل من له يد في التعذيب براءة, مثل الشعرة من العجينة. ونحن في عالمنا النائم لم ننبس ببنت شفة, مؤمنين بأن "السكوت" من ذهب...وهو أيضا علامة الرضا.
والأمر لا يتوقف عند التعذيب والسجناء والمعتقلات, بل يتخطاه إلى جريمة هزت الرأي العام الايطالي تحديدا. فبعد أسابيع من المفاوضات المضنية في العراق مع مختطفي الصحافية الإيطالية جوليانا سغرينا, وفي يوم ربيعي في آذار الماضي حمل ضابط الإستخبارات الإيطالي نيكولا كاليباري, الرهينة التي استطاع تأمين إطلاق سراحها في سيارة وتوجها إلى مطار بغداد ليستقلا طائرة العودة. إلا أن "رصاصاً صديقاً" إستهدفهما. فأصيبت جوليانا, وعاد كاليباري إلى عائلته بطلا قوميا ملفوفا بعلم بلاده.
منذ اللحظة الأولى لوصولها الى روما, وجوليانا تردد أن السيارة التي كانت تقلهما لم تكن مسرعة وأن أحدا من الجيش الأميركي لم يطلب منهم التوقف أو ينذرهم - مع العلم أن الجيش الأميركي كان على علم بسفر جوليانا ومنقذها-, وأن زخ الرصاص الذي أطلق عليهم كان مباشرا وبزخم...وهذا طبعا ما ينفيه الجانب الأميركي. إتفق الجانبان الايطالي والأميركي على تحقيق مشترك, فإذا بالجانب الأميركي يبرىء ساحة الجنود الأميركيين بحجة أن السيارة التي كانت تقل جوليانا وكاليباري لم تمتثل للإنذار, فكان لابد من استعمال النار, وأن أحداً من الجنود الأميركيين ليس مذنبا, في حين رفض الخبراء الإيطاليون في لجنة التحقيق المشتركة التوقيع على الإستنتاجات الأميركية.
إنه الزمن الأميركي بإمتياز...زمن مليء بالأحلام الكاذبة والديمقراطية المقيدة بشروط السوق...والسجون التي تشبه سجوننا الكبيرة والصغيرة.
هل تغير شيء؟