لم يكد الشعب العراقي يهنأ بإنجاز الخطوة الأولى على طريق الاستقرار والسلام الاجتماعي·· لم يكد يستوعب أن حكومة جديدة منتخبة انتخابا حرا تم تشكيلها لأول مرة منذ نحو 50 عاما·· لم يكد يفرغ من متابعة تفاصيل تسمعها لأول مرة أجيال عديدة لم تعرف سوى الديكتاتورية في أبشع صورها، عن الثقة البرلمانية التي نالتها الحكومة المنتخبة من البرلمان المنتخب والمناقشات الديمقراطية التي سبقتها والحوار السياسي الذي مهد لها والذي تختلف فيه الآراء حول التفاصيل وتتفق في الهدف وهو وحدة العراق وسلام شعبه وآمان أبنائه·· لم يكد يفعل ذلك حتى قال الإرهاب البغيض كلمته ليجعل من عرس الديمقراطية يوما شديد القسوة في تفاصيله مروعا في نتائجه·
فأمس كان يوما داميا مخيفا·· رسم الإرهاب ملامحه بقسوة غير مسبوقة·· وهو ما دفع مستشار الأمن العراقي إلى إطلاق تحذير أشبه بالاستغاثة، من خفافيش الظلام الذين يقودون محاولة جادة لإشعال فتنة طائفية تأكل الأخضر واليابس وتدمر بقايا الأمل في نفوس العراقيين الذين أجهدتهم المعاناة وقصمت ظهورهم·
أمس ألأول كان يوم الديمقراطية، وأمس كان يوم الخراب والدمار وإزهاق الأرواح وإسالة الدماء على الأرض المجهدة· لم يعد الإرهاب في العراق يخفي نواياه·· لم يعد يعبأ بحصاد جرائمه التي لا يزال مصرا على أنها ''جهاد إسلامي'' والإسلام بريء منهم ومن أفعالهم·· وحصاد جرائم الأمس كان شديد المرارة·
ففي يوم واحد قام الإرهابيون بتفجير 11 سيارة في أنحاء متفرقة من العراق·· وحصدت العمليات الإرهابية أرواح 29 عراقيا وأصابت 93 في حصيلة أولية مرشحة للزيادة·· الكثيرون منهم إصاباتهم خطيرة·· بينهم أطفال وكبار في السن ونساء ومدنيون لا تتجاوز أحلامهم تأمين قوت يومهم ولا تزيد آمالهم على لحظات سلام وآمان قصيرة يلتقطون فيها الأنفاس·
ويبدو أن أمير الظلام ''الزرقاوي'' لم يرتو بعد من أنهار الدماء التي تدفقت على أرض العراق·· ولم تشبعه جثث مئات الضحايا·· فدعا أتباعه إلى المزيد من العنف والترويع والقتل والتدمير والانتحار·
الرسالة واضحة·· لا وقت للسجال والخلاف وتبادل الاتهامات بين الفرقاء في العراق·· لا وقت لغير المواجهة الجادة والحاسمة مع الإرهاب·· مواجهة تتوحد فيها كل ألوان الطيف السياسي العراقي·· وتتراجع أمامها كل الاختلافات الشكلية مادام هدف العراق الواحد يوحد الجميع·· فالحكومة مؤقتة والانتخابات قادمة والاستحقاقات السياسية عديدة·· والمستفيد الوحيد من الاختلاف هو الإرهاب·· والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي·