يرى الكاتب البريطاني باتريك سيل في مقاله "تركيا ومعضلة البحث عن دور بين أوروبا وواشنطن" المنشور يوم الاثنين الماضي في "وجهات نظر"، أن تركيا في زحمة الصراعات الدولية، حسمت خياراتها الاستراتيجية في محوري واشنطن والاتحاد الأوروبي. وفي رأيي أن تركيا أجادت استخلاص رؤية سياسية جديدة تلائم عصر تحولات الأحلاف التقليدية وانقلاب الاستراتيجيات وفق المصالح المتغيرة، واستطاعت تركيا أن تدرك أن المرحلة ليست مرحلة بناء استراتيجيات بعيدة المدى، بل هي فن الاستفادة القصوى من اللعب على الحبال المتعددة. وعلينا ألا ننسى أن حزب "العدالة والتنمية" الذي قفز إلى السلطة استخدم منطق المكاسب غير المباشرة، فقد غيّر اسمه وتخلص من صبغته الإسلامية الظاهرة، ورفض فتح أجوائه لأميركا إبان غزوها للعراق، لكنه أبقى قواعد أميركا مانحاً إياها ميزات كبيرة، كما أن تركيا بعد أن قفزت بعلاقتها مع إسرائيل إلى مرحلة متقدمة، مالت إلى الجانب الثاني، سوريا مستغلة ضعفها، فكسبت ما لم تكسبه أميركا ذاتها، فقد تمكنت من إرغام سوريا على التخلي عن لواء الإسكندرونة الأغنى في العالم من دون تقديم أي تضحيات، وأبقت باب التهديد موارباً لسوريا، عبر علاقتها مع إسرائيل، وتمكنت كذلك من كسب معركة كان من المفترض أن تكون شرسة مع إيران وعدائها التاريخي المذهبي. ولمن لا يعرف كان السبب المباشر لغزو تركيا العثمانية للعرب هو خشية سيطرة إيران الصفوية على المنطقة العربية. تركيا من بين جميع القوى الاقليمية هي الوحيدة التي يسمح لها واقعها بالمناورة مع الجميع، فأوليتها حاضرة وهي فرصة أثمن بكثير من فرص الاستراتيجية البعيدة المدى لأنها ستكون في مختلف الظروف الدولة التي لن يطالها ما يخشاه جيرانها، فإيران مهددة وسوريا كذلك وإسرائيل تدرك أن ضعف جيرانها لا يحقق لها الأمان التام، وكذلك أوروبا التي تبحث عن دور عالمي ينافس أميركا. أما أميركا فإنها في حرب مع الجميع باستثناء تركيا، ومأزقها في اتساع وتمدد. كل ذلك يجعل من أنقرة الحصان الأسود في أي معركة رابحة، ولذلك أصبحت كل الطرق تؤدي إلى تركيا.
خالد زغريت - حمص- سوريا